منتديات قرية عمارة ( البيت بيتك )

منتديات قرية عمارة ( البيت بيتك ) (http://www.3amara.com/forum/index.php)
-   السبت : بصراحة كلامينكوف * على مسؤوليتي رمزي المصري*خواطر وذكريات * أنور محمدين (http://www.3amara.com/forum/forumdisplay.php?f=28)
-   -   خواطر وذكريات (http://www.3amara.com/forum/showthread.php?t=14788)

أنور محمدين 23-03-2013 05:38 AM

رد: خواطر وذكريات
 
قنبلة: النوبة دخلاء بلا حضارة!
الزلازل آتية لا ريب فيها، بل دخلت الحوش .. والشواهد إليكموهاإ
1ـ سعدنا بننتائج حفريات الآثار الجديدة في بربر ثم كرمة التي قطعت بنوبيتها وسودانيتها، لكن ناشطا وإعلاميا مصريا لم يدع عيوننا تكتحل بالفرحة طويلا، إذ سرعان ما دحض كل ذلك، عبر مقال مسهب حشد فيه جملة من الدفوعات ليقفز منها إلى أن كل الآثار مصرية فرعونية وأن مؤامرة غربية يهودية تحاك ضد مصر بنيلها في الخاصرة نوبيا. ويبدو أنه كان جزعا من بيان حركة كتالة النوبية التي هددت بدولة نوبية في مصر والسودان عاصمتها أسوان. وعقب ذلك أعلن مثقفون نوبيون أن مكونات الشعب المصري: النوبيون والأقباط وبدو سيناء وسيوة، وأن الصعايدة والفلاحين دخلاء، ثم اتحد نوبيو مصر والسودان في كيان جامع في لندن فكتب سوداني منها محذرا: أرى شجرا يسير!، ونحن نقول للأخ المصري: بل كل الآثار بما فيها الأهرامات وأبو الهول نوبية.
2 ـ أعلن أبناء عمومتنا البجا أنهم بعد 5 سنوات من البحث العلمي الدائب توصلوا إلى أن مملكة كوش بجاوية، وأن الكوشيين أسلافهم دون سواهم. ونحن نسعد بذلك ولكنا معكم في الانتماء، فكيف تعود أكثر من 50% من مفردات اللغة البجاوية لجذور نوبية دون أصل مشترك!؟ دعك من الحيثيات الأخرى، فحكاية أن كوش جدكم (حصريا) فيها نظر.
3ـ ثالثة الأثافي كتاب صدر بعنوان "الأماديون ـ الليمانج بقية الشعب المروي العظيم"، للكاتب عبد الباقي فيرين توصل فيه من خلال شواهد تاريخية، لغوية، تراثية ذكرها إلى أن أهله سكان جبال النوبة هم حفدة صناع الحضارة المروية، لا غبار عليه، ولكنه يذهب إلى أن نوبيي الشمال لا صلة لهم بها، إذ يدعي أنهم أتوا بهم لوادي النيل من موطنهم صحراء وادي هور في شمال كردفان لمجابهة غارات آتية من الشمال بعد أفول حضارة مروي! وقال إن أهله نزحوا من موطنهم شمال حلفا إلى شمال كردفان ثم الجبال. ورغم ذلك يسوق مفردات لغوية مشتركة بينهم وبين نوبة الشمال.. كيف يستقيم؟ وظني أنهم نزحوا مبكرا قبل اختلاط نوبيي الشمال بالعرب " قال عنا نوباط وليس نوبة" ، والعرب كانوا في الشمال قبل الإسلام بقرون، وهذا ثابت تاريخيا. ولقد زرت آثار البجراوية والنقعة والمصورات فادعوه لزيارتها ليرى أي ناس يشبهون المرسومة شخصياتهم فيها.
4 ـ منصور سناري سوداني مقيم في بريطانيا يكتب سلسلة حلقات برسم " افصلوا الشمالية"، وحجته أنهم سدنة المستعمرين وخلفاؤهم، وبذا استحوذوا على السلطة والثروة واستبدوا وطغوا معتبرين الآخرين عبيدا، ويقول إن إقليمهم فقير لا يساهم بشيء في الدخل القومي، ويختم بأن حل مشاكل السودان يكمن في فصل المنطقة من الجيلي لوادي حلفا، وتعقيبي:
ـ هل زرت بحيرة النوبة وحوض السليم والمنطقة الممتدة من بربر إلى شلال السبلوقة لتعرف حجم الأراضي الزراعية في الشمال؟
ـ من الذي علم جل السودانيين الأبكار غير أبناء الشمالية دون من؟ ومن عالجهم؟ ومن هدى كثيرين للإسلام؟
ـ علام اعتمدت الخزانة العامة بعد توقف نفط الجنوب غير ذهب الشمال وتحويلات مغتربيه، وهم الأغلبية؟
ـ من أين يأكل أهل السودان الفول والتوابل والتمور؟
ـ سكان أواسط السودان ممتزوجون بسكان الشمال دما ومصاهرة .. كيف تفصلهم؟
ـ نوجه لك دعوة لترى بنفسك الأوضاع في الشمال، إن كانت أفضل مما في منطقتك!
إخوتي:
الآن رأيتم حجم التآمر علينا وما خفي أعظم، ما الحل؟
في رأيي التحرك العاجل مطلوب على الصعد كافة، وكل يبذل أقصى ما بستطيع، وأقترح تكوين لجنة عالية المستوى للرد العلمي من خلال المقالات والكتب، ويناط بها الرد على التساؤلات أدناه أكاديميا:
ـ هل هناك حضارة نوبية أصيلة بمعزل عن الفرعونية؟
ـ ما علاقتنا بنوبة الغرب والبجا؟
ـ هل الشمال ظالم أم مظلوم؟
وأفترح أن يستضيف اجتماعاتهم النادي النوبي في الخرطوم، ولن يدخر الوجيه أسامة داؤد جهدا في تمويل أنشطتها.
وأقترح أن تضم اللجنة:
ـ البروفيسور علي عثمان محمد صالح
ـ الدكتور عبد القادر محمود
ـ الدكتور محمد جلال أحمد هاشم
ـ السفير م صلاح محمد أحمد
ـ الباحث مكي علي إدريس
ـ الباحث سيد محمد عبد الله
ـ أي مهتمين فاعلين
وبعد: ما يحدث من "معاداة" النوبيين مثير وخطير، فماذا أنتم قائلون وفاعلون؟

أنور محمدين 25-03-2013 03:01 AM

رد: خواطر وذكريات
 
(3)
صدر المحافل

حفل الأسبوع الذي أعقب استقالتي بـ 3 مناسبات عزيزة وجدت نفسي في قلبها .. هنا نبضها وخلجاتها:

الأولى: احتشدنا بدعوة من رجل الأعمال عبد الرحمن جعفر في استراحة فسيحة، رجال كثر وأسرهم، احتفاء بتتويجه مستثمرا رسميا في السعودية، لما ينطوي عليه من مزايا عديدة، وهو صاحب ترحيلات أسكلة الذائعة الصيت بسفرياتها بين السودان والسعودية، فأكلنا من لحم الطير ما نشتهي ومن الفاكهة ما نتخير، ومن الشراب شفافه وملونه، بارده وساخنه. بعد ساعة البطون جاءت الكلمات، وخلالها بادرت بالقول " هنيئا لتلميذي العزيز، الذي سبقته عمرا وسبقني مالا"، وبعد انعطافة ضاحكة ختمت بنصحي المكرر له بألا يستغرقه بريق الريال، وأن يستقطع إجازة سنوية خارجية يقبل فيها على متع الدنيا دون أن ينسى نصيبه منها، ولا يحسبن أنها طرح من رصيده، بل سيعود منها أعلى همة، وإبداعا، وكسبا، ثم وجهت كلامي للإخوة الحاضرين حاثا إياهم على الاهتمام بالأهل ودعم البلد، ولو بالقليل، فعلبة طباشير للمدرسة أو كرتونة أسبرين لنقطة الغيار تسر، منطلقين من حكمة سيدنا علي " لا تستح من إعطاء القليل، فالحرمان أقل منه"! ثم ودعت الجمع الغفير. وفي معرض كلمته أعلن الوجيه عبد الرحمن إنشاء مكتبة طلابية، ثقافية في جمعيتهم هندكة لينتفع منها وبها الشباب في عطلاتهم وأوقات فراغهم، مقررا أن تحمل اسمي عرفانا ومحبة. وبعد أسبوع اتصل من جدة عارضا نقل عفشي المنزلي مجاتا على أسطوله للسودان، فشكرته ولم يكن في نيتي مثل ذاك الاتجاه.

الثانية: ضمنا لقاء أسري شمل إخواني وأبناء أعمامي في الرياض، وكنا نود دعوة أعزاء آخرين من تفرعات العائلة الكبيرة إلا أن الظرف لم يعن. في مستهل حديثي بسطت قرار سفري وحيثياته، موجها وناصحا بالتالي:
ـ أن نسير في ضوء تراث آبائنا، المتمثل في طي ما قد يطرا من سوء تفاهم داخل البيت دون أن يسمع به أحد، وأن يكون ديدنا مع الناس الاحترام المتبادل، وأن نكون على الدوام مسالمين، وإن تجاسر علينا مخطئ أو خاطئ ( الأخير المتعمد)، من الافضل مقابلته بالصفح أو الصمت، لأن المجتمع يعلي شأن المتسامح دائما ويبغض الفاجر في الخصومة، وهو أعدل ميزان وحكم.
ـ أن نعزز ما نسير عليه من التكاتف في السراء والضراء، لأن ضغوط الحياة تستوجب التضامن ولأن الدنيا لا طعم لها بالفردية والأنانية، فحلاوتها في التشارك والتساند.
ـ الحرص على ما استننته هذا العام، بأن نبرمج مائدة رمضانية تجمعنا وأسرنا، رجالا ونساء واطفالا لنمضي معا ليلة جميلة، عامرة بالمحبة مرة كل عام.
ـ لا مكان ولا مكانة في هذا العصر لأي فرد أو أسرة أو مجتمع إلا بالتعليم لذا علينا الحرص على تعليم البنات قبل الأولاد، فالعلم يهب الأنثى الثقة بالنفس، واتخاذ القرار الصائب في مواقف الحياة المختلفة، والاستقلال الاقتصادي عند الاقتضاء، ويضعها على منصة روح العصر، ويمنحها أيضا نضارة الوجه، وذكاء الفؤاد.
عند ما فرغت من رؤاي تلفت فرأيت هذا ساهما، وذاك هزمته دمعة، والكل يدعو لي بمرحلة جديدة، سعيدة. أحدهم علق بأنهم سيكونون عند حسن ظني، مستدركا، ضاحكا " لكن موضوع السكوت للمتحرش حار، والناس يفسرونه ضعفا، لا سموا". وقته جيء بالعشاء، وكان سيد المائدة فول شهي بملحقاته من قرير سعدنكورتى عليه زيت سمسم وشمار من السليم، بينما كان الحزن سيد المجلس الأخوي، " فضلوا معانا"!

الثالثة: يبدو أنه لا مندوحة من إرجاء أجوائها وزخمها للحلقة التالية، حتى لا نثقل عليكم أكثر .. تركناكم بعافية.

أنور محمدين 30-03-2013 03:23 AM

رد: خواطر وذكريات
 
قالت: "تعال تزوجني" .. لكن أي فتى؟
استوقفه المرسال قائلا " بنت عمي تسلم عليك، وتقول ليك أنا راجياك تعال تزوجني، وإذا أهلي رفضوا حأكسر كلامهم وأتزوجك"، لكنه تابع سيره في الدروب دون رد وكأن الأمر لا يعنيه!
دعونا أولا نعرف من الفتى .. إنه من أبدع:
على الجمال تغار منا ماذا عليك إذا نظرنا

هي نظرة تنسي الوقار وتسعد الروح المعنّى

دنياي أنت وفرحتي ومنى الفؤاد اذا تمنّى

أنتَ السماءُ بدتْ لـنا واستعصمتْ بالبعدِ عنا

هلاَّ رحـمتَ مـتيمـا عصفت به الأشواق وهنا

إنه سليل مملكة العبدلاب الذي توج لتسنم حكمهم، ولكن المرض استدعى تنحيه، وقبلا هو المعلم النبراس في مراحلنا الثلاث، العبقري الذي أبكى شعره العقاد وأجج المقاومة الفلسطينية بقصيدته الوهج " صوت من وراء القضبان" بشهادة هنية، إنه من كان يرتجل الشعر ويلقيه وليد اللحظة دون أن يتذكره اليوم التالي، إنه من صاغ في ذرا يأسه ومرضه:

إن حظي كدقيق فوق شوك نثروه
ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه
سئم القوم وقالوا اتركوه
إن من أشقاه ربي كيف أنتم تسعدوه

إنه صاحب ديوان " لحظات باقية"، إنه الفنان التشكيلي المطبوع ( صمم غلاف ديوانه بنفسه) وشاعرنا الرائع إدريس جماع، الذي هزم شبابه وإبداعه الفريد المرض النفسي ومات هائما في وادي عبقر.
أما الشابة التي توسلت إليه ليتزوجها فهي عبقرية أخرى، أحست به وتفهمت وضعه وتمنت احتضانه لتخرجه من وهدته وهي ابنة الحي في الحلفاية ( ولد فيها الشيخ إدريس ود الأرباب المحسي الموكضاب 1504 وأسس والده العيلفون)، وسليلة أسرة معروفة " عمها اللواء حسن بشير نائب عبود"، إنها أول سودانية تلج مجال التلحين، يكفي أن الكابلي غنى من ألحانها، إنها أول عازفة عود سودانية، إنها من اكتشفت عابدة الشيخ وشجعتها وقدمتها للإذاعة ، إنها من علمت ابن عمها الفذ بشير عباس العزف فأسدت لوجداننا الألق والسمو، إنها حواء استثنائية وإلا لما أقدمت على خطبة الشاهق جماع خروجا على المألوف، لأنها قدرت بعمق موهبته السامية.. إنها المبدعة أسماء حمزة التي شلت أطرافها وتخضع للعلاج، فهل يلتفت إليها ذوو الشان أم ترحل منهزمة، منكسرة أمام عيوننا مثل جماع؟
أسالكم التضرع للشافي ليكلأها بالعافية لتعاود "نقرشة" الوتر الحنون من أجلنا، فالمبدعون لا يتكررون!

أنور محمدين 30-03-2013 03:29 AM

رد: خواطر وذكريات
 
النجدة ما قدرت أضبط البنط وكل مرة أعاني! لا تفتح نافذة البنط، الأحجام.

Fawzi Salih Wahbi 31-03-2013 02:43 AM

رد: خواطر وذكريات
 

[COLOR=#990000]
تحتاج إلى تنزيل برنامج جافا .. أو عمل تحديث لهذا البرنامج الموجود في كمبيوترك ( انا كنتُ أعاني من نفس المشكلة لفترة من الزمن ) :[/C
OLOR]

http://java-8-jre.en.softonic.com/download

أنور محمدين 31-03-2013 03:29 AM

رد: خواطر وذكريات
 
شكرا عزيزي فوزي ويا ريت لو تكرمت بالتكبير، علما أن أنور بالهمزة والدخول 1940 وبعدين يا خي ما تنسونا من الزلابية!

أنور محمدين 01-04-2013 03:14 AM

رد: خواطر وذكريات
 
(4)
هؤلاء "أهلي" فجئني بمثلهم

أمران شغلاني بينما أتأهب للمغادرة:
ـ عفشي المنزلي الذي كونته قشة، قشة على مدى الأعوام، وكلفني نحو 20 ألف ريال لم أجد من يشتريه كاملا بربع القيمة "كاش"، إذ تأتيني عروض الشراء بالقطاعي .. هذا يريد الكمبيوتر وتلك تبحث عن مكيف وهكذا، ولا وقت لهذا المسلسل، وفي نهاية المطاف أودعت مفتاح الشقة لدى شقيقي للتصرف، خاصة وأمامنا شهران مدفوعا الإيجار، وعلمتني التجربة أن حساب الحقل يختلف عن حساب البيدر ( مجمع الحصاد)، بمعنى أن الجشعين عادة يبخسون للمضطر أشياءه ليبيع أرخص من توقعه.
ـ تمنيت بصدق أن تمكنني السوانح من أن أمر على الناس أجمعين لوداعهم، فمن يدري ماذا يحدث غدا، ولكني لم أتمكن إلا من زيارة عدد محدود جدا، ما ضاعف حزني وفاقم ألمي في ظل وجود أكثر من 100 أسرة من دلقو وحدها في العاصمة السعودية، والأعمال بالنيات.. سامحوني.
بينما أسابق الزمن في هذا اللهاث اتصل بي العزيزان أحمد علاء الدين وتاج الدين نصر وهما على سنام جمعية دلقو البلد الخيرية في الرياض لتحديد موعد لحفل وداعي، ويقترحان الخميس التالي لينظم في استراحة تستوعب الأسر والضيوف بحسبان الجمعة راحة، غير أني توجست من أن يصادف سفري الخميس لذا اتفقنا على مساء الأربعاء في دار الجمعية.
كنت في الزمان والمكان المحددين.. قاعة الجمعية الرئيسة تزدان بملصقات تحكي عن تاريخ دلقو وسجلها الحافل وكيف كانت أول مركز إداري في السودان وكيف أديرت منها مناطق السكوت والمحس ذات يوم، مع صور حديثة ناطقة ( وكانت عاصمة علوة). بدأ الناس يتوافدون حتى ضاقت بهم القاعة الفسيحة واكتظت الغرفة المجاورة. الوجوه يعلوها بشر اللقاء، والتحايا زاكيات بالمصافحة والعناق. الشباب يكرمون الجمع في همة ويوزعون سيرتي الذاتية التي أعدتها اللجنة، وعدسة الحبيب عبد الواحد سعيد الفيديوية توثق الحدث ببراعة.
انطلق البرنامج بتلاوة خاشعة وأخذ الدينمو علاء يقدم الفقرات تباعا بأسلوب ماتع، وفي جو مفعم بعطر الوداد تبارى الأحبة ممثلو الجمعيات والمناطق والفعاليات النوبية في سرد ما يرونه في المحتفى به من مواقف ومزايا هم أجدر بها مني. بعضهم رأى الحفل رغم عظمته أقل مما أستحق، بينما سأل آخرون عما إذا كانوا في السودان سيستثمرون خبراتي، فيما أشار ممثل الجالية السودانية إلى أنهم سينوهون لذلك للمسؤولين في الشمالية ( بالمناسبة جاليتنا العاشرة بتعداد نحو 900 ألف بينما المصرية الأولى، تليها الهندية فالباكستانية)، وفي خطابي شكرت الجميع على جمائلهم، ملتمسا منهم السعي دوما لجمع الكلمة ووحدة الصف وتكريس حسن النية والتسامح وإيلاء تعليم القوارير اهتماما أخص، وتنمية قرانا، " اهتمامي الفائق بتعزيز ثقافة التنازل واحترام الرأي الآخر نابع من إيماني بأن أشرس سرطانات الساحتين النوبية والسودانية هو الكيد السياسي، وفي محاولة للفت الانتباه كنت قد نظمت ندوة حاشدة عنه بمشاركة الزعيم علي أبوبكر والدكتور شريف مصطفى في الرياض".
ختاما تفضلت مختلف الجهات بتكريمي بأوسمة وشهادات تقدير وأوشحة وهدايا عطرة، لينصرف جمعنا والليل البهيج الزاهي قد توغل. وحده الأخ هاشم وهو فنان تشكيلي من عطبرة تحسر على عدم تقديمه للحديث عني بحسباني مواطنا عطبراويا وبصماتي هناك، فاعتذرت له بأننا لم نتنبه وهو لم يلفت النظر. وهكذا رفعني أهلي بمشاعرهم الفياضة مكانا عليا و"جرتقوني" عريسا بهيا!
ولاحقا تفضل العزيز أحمد علاء الدين بعكس تفاصيل الحدث عبر الصحافة والمنتديات بنشاطه الدائب، المعهود ( من بينها المنتدى العام في منتدى دلقو حيث صور المناسبة والتفاصيل)، وكذا تلطف أعزاء آخرون.

وبعد: كيف قضيت يومي الأخير في الرياض وأين؟!


أنور محمدين 02-04-2013 02:41 AM

رد: خواطر وذكريات
 
يا أحباب كيف أجمع مواد الرحلة معا؟

أنور محمدين 08-04-2013 03:02 AM

رد: خواطر وذكريات
 
(5)
الرياض .. حب من سكنوا الديارا
التاسعة صباحا كنت في بيتي للمرة الأخيرة .. أراجع وضع محابس الماء وأتأكد من انطفاء الأنوار وأطمئن عل إحكام غلق النوافذ وأن الموجودات مرتبة والبيت نظيف، وعند الباب الخارجي استدرت وألقيت النظرة الوداعية وأقفلت الباب وخرجت في مهمة شاقة على نفسي هي وداع من قاسمتهم السراء والضراء قرابة 5 سنوات .. جيراني، وأي جيران!
طرقت الباب الأول لتظهر جارتنا مرحبة بابتسامتها التي تشع طيبة كدأبها، فأقول : أنا مسافر عصر اليوم، مع السلامة وسلمي لي على أبو العيال .. وهي في حالة ارتباك وقلق يستبد بها وبعربية تغالبها اللكنة الإريترية: "ما معقول! والله ما شفنا منكم إلا كل خير .."، ثم تصافحنا وهي تمسح أدمعا تترقرق بخمارها فبرق في خاطري:
قل للمليحة في الخمار الأسود * ماذا فعلت بناسك متعبد
"بالمناسبة حالما ذاع غزل أبوربيعة أعلاه وعم القرى والحضر نفد الخمار الأسود في أسواق الحجاز، بعد أن كانت كاسدة تجارته!".
مضيت أدق الأبواب تباعا، والمشهد يتكرر، وربما المعاني نفسها بصيغ شتى وبحرقة يراوح بندول أوارها بين الشدة والاعتدال. وذهبت أودع السائقين السودانيين العزاب في فيلا الأميرة المجاورة فكان الفراق صعبا، أحدهم كان عائدا من مشوار واستبقاني حتى أدركني معانقا، متحسرا.
ما تبقى كان الشوط الأصعب .. جيراني من أهلنا وأسر منطقتنا، ما من بيت دخلته وإلا علا فيه النحيب المؤلم مع عناق حار وعبارات تخنقها العبرات. هكذا بمشقة ومكابدة خرجت متعثر الخطى. وفي بوابة قصر الملك سعود، الذي كنت أسكنه تألم جنود الحرس الملكي السعودي، الذين ربطتني بهم عرى الود والاحترام المتبادل، وهم يرددون: ما حترجع تاني؟ من يأتينا بالجرايد؟
بوصولي الشارع العام رفع الأذان بالظهر، وإثر الفراغ من الصلاة وجدت أمامي الصديق الزعيم علي أبوبكر ( تنرى) والحبيب أحمد ماهر صديقي وزميلي، بل شقيقي ( عمارة) الذي أصر على تناولي الغداء في داره العامرة
قبيل السفر. وهناك انضم إلينا العزيز متوكل، الذي تربطني به علاقة مذ كان سائقا سفريا في المنطقة. بعد الغداء ودعت متوكل وأسرة أحمد الجليلة وخرجنا لسوق الناصرية، حيث ضربت موعدا مع العزيز أحمد علاء الدين، الذي جاء لوداعي وتسليمي تذاكر سفري من شركتنا.
عندما حان التحرك حضنني علاء ثم أحمد بقوة ومحبة فعلا بكاؤنا حتى خرج الناس من المحال التجارية القريبة يستطلعون. وعندما انطلقت بي والعزيز علي أبوبكر سيارة الأجرة، بينما كان أنين المتصلين عبر الجوال لا ينقطع، قال: " والله يا أستاذ أنت راقي، وأصحابك كمان راقين"!
في البطحاء قلب المركز التجاري للعاصمة السعودية ودعت الحبيب علي وصعدت لشقة شقيقي لأجده وأسرته وأختي وطفليها في انتظاري، فحملت حقيبتي وانطلقنا معا لحيث سفري ( الآخرون في العمل). كان وداعا حارا وقاسيا ارتفع فيه النشيج رغم ازدحام الموقع ورهبة المكان، وانحنيت أطبع قبلاتي على جباه الحلوين الصغار وبتثاقل جرجرت رجلي إلى جهاز فحص الأمتعة، وحين فرغت وسحبت حقيبتي في طريقي لصالة المغادرة لوحت لهم بيدي، وكانوا لا يزالون واجمين، باكين، ولم يكن حالي أعلى تماسكا!
وبعد: في رحلتي سأكون وحيدا مغتما، غير أنكم ستكونون بجانبي .. تشدون أزري وتكفكفون دمعي! أليس كذلك؟

أنور محمدين 12-04-2013 02:59 AM

رد: خواطر وذكريات
 
أبوشنب .. عازف الأوتار الأول
كنا تلاميذ صغارا في المدرسة الأولية عندما حضر العازف محمد أبوشنب لقضاء إجازته في البلد من العاصمة. كان الناس يتوافدون على بيتهم في الأمسيات فيغني لهم أغاني أحمد المصطفى وإبراهيم عوض مع عزف على العود رائع. وكانت أغنية " والله جنني" تجذبنا أكثر لأننا كنا نحاول أن نرقص عليها "السامبا" فنفشل لأنها تحتاج لأن نقدم رجلا ونؤخر أخرى بتراتيبية متساوقة مع الإيقاع دون إخلال أو اضطراب، فيساعدنا على إتقانها شقيقاه حسين وإبراهيم أبوشنب ( من جاور..) حتى صرنا نؤديها في الأعرس بما يدعو لإعجاب المتفرجين.
لم تكن أجهزة الراديو شائعة، فأول راديو أتت به الحكومة لداخلية مدرسة دلقو الأولية، أم مدارس المحس التي أنشئت 1937 ودرس فيها كل أبكار المتعلمين في المنطقة، وكان يدار بشحن بطارية بمروحة تحركها طاقة الرياح، وذلك في الأربعينيات ثم اقتناها بعض المستطيعين، فضلا عن أن اللغة العربية كانت عصية على الأغلبية ( في طليعتهم كاتب السطور) لذا كان انتشار الأغاني محدودا. ( بالمناسية لماذا لا نستثمر طاقة الرياح بكثافة ومدخلاتها باتت أرخص من الطاقتين الشمسية والأحفورية؟).
أنهى محمد أبوشنب الأولية، المولود 1932 ، وسافر لخاله في العاصمة 1948، حيث التحق بقسم الموسيقى بمعهد القرش الصناعي بأمدرمان بناء على رغبته. فور تخرجه احتاجت الإذاعة لعازف فتقدم لها 3 اختار منهم العميد أحمد المصطفى بعد الاختبار أبوشنب، فعين رسميا في دار الإذاعة 1951.
الطريف أن المسؤولين اعترضوا على اسم أبوشنب على أساس أنه لقب وليس اسما ففشل في إقناعهم، فأفتى خاله أن أبوشنب هو إدريس فعين باسم محمد إدريس، الذي خدم عازفا في " هنا أم درمان" ومع سوامق الزمن الجميل في الحفلات والمناسبات، وعلى رأسهم العميد، الذي كان صوته قريبا لنبرته، وهو أول عازف في الإذاعة لمجموعة الجاز باند وتعزف عليها بمطرقتي خشب وتتطلب مهارة عالية وشارك بها مع شرحبيل وقبله في مقطوعات عثمان ألمو الموسيقية ورفقة عثمان حسين وابن البادية وكل اليواقيت، وهو أحد المبدعين الذين صاغوا وجدان الشعب السوداني بالجمال والسمو والألق، حتى تقاعد أخيرا بعد أن أدى فريضة الحج مع بعثة الإذاعة التي قضى في ردهاتها عمره. وفي مناسباته الخاصة يتدافع كبار المطربين لإحيائها مجانا محبة وعرفانا، فهو إنسان ودود يألف ويؤلف منذ الوهلة الأولى ومن أطيب خلق الله، ولايزال يختلف إلى الّاذاعة في مناسباتها الجامعة وفاء وتواصلا، كيف لا وهو أحد بنيها وبناتها البررة.
عندما زرته في بيته في الثورة قبل أشهر كان يتهيأ للوضوء استعدادا للظهر، بينما المصحف على يمينه وشهادة تقديرية فخيمة تتلألأ على الجدار.
الانحناءة لك حبيبنا محمد أبوشنب، فقد كنت لنا في دهاليز الإذاعة نبراسا وعنوانا بإبداعك وريادتك وخلقك الرفيع، دمت لنا ذخرا وفخرا، متمنيا أن أراك قريبا ففي حضرتك يطيب الجلوس ويحلو السمر.
ش

أنور محمدين 15-04-2013 03:39 AM

رد: خواطر وذكريات
 
(6)
من بف نفسك ..
انزلقت عجلات القطار ليشرع في السير ببطء قبل أن تزداد سرعته باطراد. أخذت مقعدي في الدرجة الأولى، وهي تتوسط الثانية والسيوبر. هنا تتوافر مأكولات ومشروبات ملائمة يحوم بها على عربات باعة تابعون لمؤسسة متعاقدة. تنشئ المملكة حاليا شبكة واسعة من الخط الحديدي لربط ثاني بلد مساحة عربيا بعد الجزائر، والسودان الثالث بعد الانفصال.
حزن الفراق يستبد بي وللحد من غلوائه أرسل بصري بعيدا.. الأبنية والأحياء كأنما هي المسرعة! أمامي ستاد الملك فهد التحفة الراقية يذكرني بعش الغراب الذي أنشأته الصين للأولمبياد، وحولت تجاهه مجرى 3 أنهار لري الحدائق الزاهرة للملايين، الذين مازالوا يتدفقون للسياحة، بل نقلت أكرر نقلت بعض العمارات الشاهقة ونحن لا ننقل النخلة ذات الأكمام الساقطة! بالمناسبة لم أدخل دار رياضة في حياتي إلا مرتين مضطرا، ورغم ذلك كتبت في الشأن الرياضي في جريدة الاقتصادية مواضيع ساطعة وكأني صديقي عصام الحاج سكرتير المريخ أو صديقي بتال القوس مقدم برنامج "في المرمى" في قناة العربية.
قرص الشمس يغوص في الأفق البعيد وقطارنا يجتاز صحراء الدهناء، والأسفلت يفارقنا أحيانا ويرافقنا حينا، وبعض مضارب البدو تبدو بإبلها الضارب للأدكن لونها وحظائر الأغنام. بعض السودانيين هنا يرعونها تحيط بهم الوحشة ويبقيهم على قيد الحياة كيس من الرز وثان من الدقيق وثالث من العدس، فضلا عن برميل ماء للشرب، ولا مجال لاستحمام، وحكى لي أحدهم أنه يصحو مذعورا ليلا ليجد في مخدعه أحيانا الحيات داخل الخيمة وطبعا العقارب! ما أقسى المعايش. وفي هذا القفر ألسنة اللهب تؤنس العاملين في العتمة في حقول النفط التي تضخ نحو 10 ملايين برميل يوميا، تدير عجلة الحياة من ملقا إلى بنما.
دخلنا مدينة الهفوف عاصمة محافظة الأحساء، التي تعد من معاقل الشيعة الذين يرتكزون هنا وفي منطقة المدينة المنورة وفي نجران على حدود اليمن. وقد زرتها مرتين ورأيت غابات من النخل ممتدة قلما يشاهد إنسان مثلها في غيرها، غير أن ينابيع الماء التي كانت تسقيها باتت شحيحة وأحيانا ناضبة بالاستخدام المفرط غير المرشد، لكن الجميل أن المياه سطحية سهلة المنال.
نتابع السير وبعد مشوار قصير نصل محطة بقيق الصغيرة نسبيا، فيصعد ركاب وينزل آخرون لتتحرك عجلات قطارنا مجددا. وطوال الرحلة لا ينقطع رنين الجوال من الرياض وغيرها، منهم العزيز فرح أبوجبة من باريس متلطفا أنه كان يتمنى أن يكون في وداعي وأقدر ظرفه إذ إنه في معية الأمير عبد العزيز بن فهد، والعزيز عبد القادر عثمان من جدة مبديا استعداده للدعم بكل ما يملك إن فكرت في مشروع تجاري أو استثماري في السودان ما ينبئ بعمق ثقته مشكورا، وهكذا يمتد تواصل الأحباب.
بعد 4 ساعات من السير وطي 395 كلم نصل الدمام عاصمة الشرق ويرحب بي العزيز حيدر، فنسرع صوب البيت بسيارته. وأتوقع سؤالكم عنه، مهلا إنه صهري ومن شباب دلقو ويحمل الماجستير في الاقتصاد من الهند، أما ابنتي الوحيدة وصديقتي ( قرينته) فخريجة جامعة الخرطوم، كلية العلوم الرياضية، تخصص شبكات. ها هي تندفع نحوي قافزة على الدرج، مجنحة ونروح في عناق حميم بينما تمطرني بقبلاتها وضحكاتها الجزلى. لا شك أنهم أعدوا لي عشاء " كاربا" .. مرحبا .. " الجوة ليكم والبرة لينا"!
وبعد: .. ويمثل القاضي أمامي!
.

أنور محمدين 22-04-2013 03:41 AM

رد: خواطر وذكريات
 

(7)

.. وتلاقت قمم يا مرحى

اعتدت حينما أكون في الدمام أن أتمشى بعد تناول شاي الصباح مباشرة، وهي حاضرة نظيفة، أبنيتها حديثة، وتصطف على حواف شوارعها أشجار ظل تضفي عليها رونقا وبهاء، وهي تستمد أهميتها من احتضانها ثاني موانئ البلاد بعد جدة بإطلالة على الخليج العربي الحيوي، فضلا عن كونها مركزا لتعدين النفط والصناعات البتروكيماوية، وتتهيا لأداء دور لوجستي واقتصادي إقليمي متميز انطلاقا من 2018، حيث ستصبح من أهم وجهات القطار الخليجي، الذي سيمتد شريانه من الكويت عبر دول مجلس التعاون إلى العاصمة العمانية مسقط، وتصدر منها وفيها صحيفتا اليوم والشرق اليوميتان.
غالبا ما يقودني المشوار الصباحي إلى مجمع كاين التجاري الشهير القريب، الذي يعمل فيه 3 سودانيين كرام أحييهم وأمر على الأقسام ومعروضاتها وقد أشتري خضارا يانعا يغريني أو فاكهة تثير شهيتي، وإلا فإنني قد أتجاوزه إلى حيث أحمل منه فولا ساخنا أو عدسا شهيا مع خبز تميس حار، وأعود إلى البيت فأجدهم قد جلسوا إلى التلفزيون، فنتناول طعامنا الذي كثيرا ما يكون عماده قراصة بالدمعة أو الويكة الحمراء، التي أفضلها. ومع احتساء الشاي بعده بساعة وفق القاعدة الصحية السليمة أتجه أحيانا إن لم أجد ما يروقني في الشاشة البلورية لمتابعة أشرطة الأعراس، التي تسعدني بألحانها العذبة وتبهجني باكتحال عيني بالأهل حيثما كانوا، فهي توثيق مفيد، فكم منهم لم نرهم زمنا، بل بعضهم لن نراهم أبدا لأن يد المنون قد اختطفتهم فنترحم عليهم، طبعا "فايق كدة" لأني في إجازة. أما الأمسيات فتزدحم ببرامج الزيارات الأسرية ودعوات تناول العشاء مع ما يصحبها من أنس حميم.
على أهداب أمسية حالمة التأم شملنا من الدمام وأختها الخبر حيث يمتد منها جسر البحرين في دار جمعية دلقو بالشرقية .. القاعة الفسيحة أعدت بإتقان، الطيب ينشر شذاه في الأرجاء، وفد هذه اللحظة الحبيبان شيخ إدريس عكاشة وعمار محمد سيد خصيصا من الهفوف حرصا على المشاركة رغم المدى المكاني فشع المكان أكثر. الشباب يتابعون تقديم المرطبات بنشاط دائب.
كان الاستهلال تلاوة مباركة، ثم ارتفع صوت ابن خالتي صلاح عكاشة الملائكي بإنشاد روحاني عابق حلق بنا بعيدا. المهندس أيمن مكي بحيويته يقدم فقرات البرنامج مع نفحات من الشعر النوبي الرقراق. المهندس محمد عوض محمدين يوثق الحدث صورة وصوتا، ويبتدر بكلمة ضافية، أعقبه الأحباب: كامل شريف ( دلقو)، صلحي فقير( قرقود)، محمد مرسي (آرتمري)، سفيان حاج ( سعدنفنتي)، ثم مثل بين أيدينا القاضي العادل محمد بدري ( كيمتو) مرسلا البهجة بتعليقاته ودعاباته لتضج القاعة حبورا، حيث أجمعوا على أن المحتفى به ميمون المحامد، معددين إسهاماته في حقول التربية والعمل العام والوصل الاجتماعي، غير أني أراهم أسقطوا كوامنهم الخيرة على شخصي مشكورين. عندما حل دوري شكرت الجمع الحبيب على حفاوتهم، مستعرضا ملمحا لمسيرتي وأدواري، مناشدا العناية بالأهل،" وبالوالدين إحسانا"، حاثا على المضي في درب تماسكهم المثالي في الغربة، لافتا لضرورة التجاوب مع نداءات قرانا التي تحتاج إلى لمساتنا، مترجمين حبنا لها ووفاءنا، وقلت بصدق إنني زرت بلدانا كثيرة وربما تقودني الخطى لأخرى لكنني لم ولن أرى مكانا أجمل من سعدنكورتى، فصفقوا طويلا، ولا ريب أن معظمهم ربطوا حديثي بروح المحاضرة التي ألقيتها في هذا المكان قبل أشهر عن الطرائق المثلى للنهوض بالبلد وتنميته.
ختاما تكرم الأفاضل بإهدائي شهادة تقديرية فيمة وأخرى لأم محمد نظير خدمتها التعليم في دلقو وعطبرة عقدين ونيفا تسلمها إنابة عنها ابن خالتها العزيز عارف محمد أبوعلي، وأهداني الخال، المستشار القانوني كامل محمد فرح جوالا حديثا فقلت في نفسي: فلينعم جوالي التليد بالتقاعد مثل صاحبه، ولكن هيهات! وهذا ما سنكتشفه لاحقا!
في طريقي إلى البيت كنت أتأمل في جوالب حب الناس لشخص دون آخر فبدت متعددة، متناصرة، ولكني وقفت مليا عند حكمة المتنبي:
لا خيل عندك تهديها ولا مال * فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
وعندما ترجلت من السيارة حدقت في قبة السماء فرأيت النجيمات البعيدة تلتمع في ألق، مستمدة فرحتها من لقائنا، وكأنها تتراقص في الأفق النائي ممراحة.

وبعد: ما الذي طرأ قبيل الإقلاع؟!

مموشى سيدا 22-04-2013 03:42 PM

رد: خواطر وذكريات
 
كم أنت رائع أستاذي أنو محمدين
لاحقاً سنقوم بالعمل في مشروع كتاب بأذن الله وهذا ما جعلني أحرص علي أم تكون كتاباتك في بوست واحد ومتأكد بأنها ستكون مشروع كتاب ناجح.

أنور محمدين 25-04-2013 03:05 AM

رد: خواطر وذكريات
 
شكرا الحبيب مموشي النشط، وأملي أن أكون عند حسن الظن إفادة وإمتاعا، وأرجو إبلاغ خاص سلامي للأعزاء: أحمد ماهر، متوكل، والدكتور حسين والجميع في جمعية الناصرية العامرة، وأكرر عرفاني.

أنور محمدين 29-04-2013 02:11 PM

رد: خواطر وذكريات
 
(8)
سمار الليلة المرمرية
امتلأت المقاعد والكراسي بالأحباب الحرصاء على وداعنا فجلس الشباب على الموكيت متلاصقين، وبالداخل الصالة والغرفتان والمطبخ تتشرف بالقوارير وفلذات الأكباد. هنا في الزاوية البعيدة فريقان يتجادلان حول الهلال والمريخ، وبالركن الداخلي انقسم الجلساء بين حكومة ومعارضة في الشأن السياسي، بينما توزعت اهتمامات الوسط على شؤون شتى، وكل ذلك في مودة صافية وبروح تتسم بالإخوة والمرح.
العزيز ياقوت حاكم صديقي وزوج خالتي ( قرقود) أصر على التكفل بالعشاء رغم تبياني أن كل شيء جاهز منذ النهار، ولكن أوتي بالطعام من الداخل والخارج في العشاء الأخير ففاض حتى على سعة الثلاجة بعدئذ، و" لقمة هنية تكفي المية".
انصرف أحبابنا رجالا ونساء وأطفالا حزانى وسط دعوات باللقاء في أرض النيلين وعقارب الساعة تتعانق عند انتصاف الليل، فآوينا إلى مخادعنا قلقين، كيف لا والسفر قطعة من النار، وقيل" بل النار قطعة من السفر"، ذلك لأنه يتضمن مخاض الفراق وعناء الانتقال ثم إعادة التموضع والتأقلم:
ودع هريرة إن الركب مرتحل *** وهل تطيق وداعا أيها الرجل
صباحا بعد الشاي عكفنا على إكمال الترتيبات مع لمسة مراجعة للعفش حتى أتانا الفطور، حيث وفد أوائل من سيرافقوننا للمطار، الذي تحركنا إليه في رتل من السيارات نحو العاشرة. الطريق طويل حتى الظهران، وهي مدينة زاهرة تؤوي رئاسة شركة أرامكو النفطية العملاقة وجامعة البترول والمعادن.
هذه المرة الثالثة التي أدخل فيها هذا المطار الدولي الضخم، الذي ينافس نظيراته في جدة والرياض والمدينة، وتنطلق إليه ومنه رحلات عبر العالم الفسيح. بدأنا بوزن الأمتعة وأحسسنا بعده أن في الوقت متسعا فجلسنا نتسامر، فانضم إلينا مودعون وصلونا توا من الدمام.
وقد بقي من موعد الإقلاع نحو ساعة تحرك جمعنا لبوابة دخولنا فكان قاسيا حقا الفراق، خاصة ابنتي الحبيبة التي تعززها عندي حظوة إضافية تتمثل في حملها اسم والدتي، ولا ننسى ما ذهب إليه فرويد رائد مدرسة التحليل النفسي من أن الأولاد يرتبطون بالأم أكثر بينما تتعلق البنات بالآباء، وهي تحديدا زايدة حبتين على مقولة " كل فتاة بأبيها معجبة"، فوق أنها صديقتي فليس بيننا خافية فقد أنشأتهم على شعار " ديمقراطية الحوار وجماعية القرار"، مع نزوعي للمساواة بين الجنسين في البيت وعاطفة دفاقة وعوامل أخرى جعلت علاقتي بأبنائي مشيمية كثيفة، فضلا عن إدراكي العميق بمدى الإحباط الذي تعانيه لاختفائنا من محيطها فجأة لذا كان صعبا انفكاكنا من العناق الباكي رغم سلوان المحيطين الوجداني.
عند ضباط الجوازات ختموا جوازي بسرعة ولكنهم تلكأوا في إجراء اللازم حيال أم محمد، ولم تشفع دفوعي فأحالونا لرئيسهم، الذي أرجعنا لمكتب في الطابق الأسفل فجرى نحوه حيدر وأتى بما هو مطلوب، وفي تلك اللحظات لمحت طفلاتنا النواضر دون سن المدرسة يبكين لفراقنا، فكان منظرا مؤثرا سيظل صاحيا في ذاكرتي على مدى الأيام. أسرعنا للضابط بالمطلوب غير أنه طلب الانتظار بينما الوقت ينفد ويتسرب، ولم يكن من خيار سوى الصبر، والعلة في أنها كانت متخلفة فأجرينا التسوية اللازمة على أعلى مستوى عن طريق إدارة الجريدة ذات اليد الطولى قبل فترة. ونحن في قلق وترقب طلبوا سرعة لحاقنا بالطائرة قبيل الإقلاع بنحو 10 دقائق فقط فجرينا ننهي ما تبقى من إجراءات. أخيرا دخلنا جوف الطائرة الضخمة الرابضة، التي لا يهدأ هديرها فما إن جلسنا حتى اتصلت بأهلنا المتجمهرين بالخارج شاكرا لطفهم، طالبا انصرافهم بعد أن استقررنا على الجودي الطائر.
الطائرة السعودية تستدير زاحفة ثم تسرع حتى تحلق في الآفاق رويدا رويدا. شكرا لمرافقتكم، نتعانق بحول الباسط عند الوصول، والدعاء أسألكم.




أنور محمدين 02-05-2013 03:15 AM

رد: خواطر وذكريات
 

أحلام الأب

1
كنت في بهو العمارة التي تناطح السحاب في قلب العاصمة الشرق آسيوية وأمامي لفيف من المواطنين من الجنسين وبعض الفرس والخواجات، فتقدم نحوي سوداني ـ كما يبدو من سحنته ـ مصافحا وفي معيته شابة حبلى عرفني بأنها زوجته فدارت بيننا الونسة التالية:
ـ أراك تتكلم معها باللغة المحلية.
ـ نعم، فقد عشت هنا سنوات عديدة.
ـ بصراحة شخصيا لا أميل لخيار زواج الأجنبيات لأنه محفوف بالمتاعب، لكن مبروك على أي حال.
ـ القسمة والنصيب.
ـ هل نلت موافقة أهلك؟
ـ نعم، وأمي تستعجل سفري بحفيدها المنتظر مع والدته.
هنا دخلنا المصعد فقلت له: نحن في الطابق 16، الشقة قبل الأخيرة على اليسار، مرحبا في أي وقت.
2
مضى شهر وبعض شهر من هذا اللقاء العرضي ولم يتكرم بالزيارة ولم أصادفه، فسألت عنه، فقيل:
لقد وضعت زوجته في ظروف بالغة الشدة، وواجه طلباتها وضغوط أهلها وهو عاطل فلجأ لرجل أعمال سوداني شهم طالبا النجدة بمعاونته على السفر للسودان، ولكن فاعل الخير رفض إعطاءه " كاشا" حتى لا يصرفه ويستمر في تخبطه مثل المرة السابقة، لكنه وافق على تحمل تكاليف تسوية تخلفه مع الجوازات وتذكرته بشرط أن يطمئن على مغادرته في المطار بنفسه.
3
قرر الكهل المغترب في الخليج الاستثمار في ولديه البكرين، اللذين أنهيا الثانوية فبعث بهما للدراسة في الخارج علوما متطورة بالإنجليزية. وصل الصبيان إلى تلك العاصمة المفتوحة فهالهما منظر البنات الكاسيات العاريات المتدفقات في الشوارع والحرية الرحيبة. وبناء على اتفاقهما تخلف أحدهما في العاصمة لإنجاز بعض المهام بينما تابع شقيقه السفر لمدينة إقليمية لتهيئة أوضاع دراستهما فيها. سرعان ما تعرف "العاصمي" لشابة لاهية فقضى معها أسبوعا مثيرا ثم اصطحبها في سفره ومعها صديقتها من أجل شقيقه، وكأنما تلك المدينة النائية قاحلة من بنات حواء!
استقبل الشقيق "الإقليمي" الموكب الصغير في الشقة الجديدة، حيث تناولوا عشاء فاخرا أعقبه تجرع أم الكبائر، ونظرا لعوديهما الطريين وعدم اعتيادهما دارت الكؤوس برأسيهما فراحا في غيبوبة غريبة. صحا أحدهما ضحى الغد قاصدا الحمام، غير أنه خلال عودته منه تنبه لغياب العشيقتين، ليس هذا فحسب بل فوجئ باختفاء جواليهما، وحتى نقودهما التي كانت في المتناول، فأيقظ شقيقه في ذعر، فطارت السكرة وجاءت الفكرة، وأقبلا على بعض يتلاومان، تنهشهما الحسرة، ولاسيما أنهما لا يعرفان للشابتين مكانا ولا عنوانا. كانت هذه اللطمة الأولى ولكنها لم تكن الأخيرة فقد استغنت الشركة عن خدمات والديهما بعد أشهر في إطار إحلال الأطر الوطنية فشرح لهما الوضع المستجد طالبا عودتهما واللحاق بالأسرة في السودان فاستجاب أحدهما وسافر، أما الآخر فقد عصا وراح في درب التخبط والفشل اللولبي.
4
قبل أسابيع أفرغت الطائرة القادمة من شرق آسيا فوج ركابها في مطار الخرطوم ونسمات الفجر الرطيبة تدغدغ المشاعر، وكان من ضمن الذين أنهوا إجراءات القدوم وتدافعوا لبلوغ الساحة الخارجية شاب ضال، حائر ترك وراءه في بلاد الواق واق طفلته وأمها تواجهان المجهول وفر منهما هاربا، متهربا بلا شهادة ولا مهنة وهو لا يحمل في جعبته من رصيد سوى لغة إنجليزية يثرثر بها دون طائل، مواجها هو الآخر المجهول أيضا!
5
كان شقيقه الذي استقبله في المطار يحمل عنه حقيبته الصغيرة على كتفه، وعندما أطل على الحوش في بيت الأسرة في الحي الشعبي الطرفي في العاصمة السودانية هرولت تجاهه أمه في لهفة تحتضنه في شوق، ثم دخل إلى الصالة حيث كان أبوه جالسا على سرير لا يقوى على القيام، وقد أثقلته السنون وأمراض الشيخوخة، فاحتضن فلذة كبده متمتما في تعثر " أهلا يا بني، حمد الله على السلامة"، وقد هزمته دمعتان كناية عن أحلامه التي تبخرت! وفي الأثناء كانت الشمس تنشر أشعتها العسجدية إيذانا بميلاد نهار جديد!


أنور محمدين
مانيلا ـ الفلبين


أم مصعب 04-05-2013 08:15 PM

رد: خواطر وذكريات
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أنور محمدين (المشاركة 112308)

أحلام الأب

1
كنت في بهو العمارة التي تناطح السحاب في قلب العاصمة الشرق آسيوية وأمامي لفيف من المواطنين من الجنسين وبعض الفرس والخواجات، فتقدم نحوي سوداني ـ كما يبدو من سحنته ـ مصافحا وفي معيته شابة حبلى عرفني بأنها زوجته فدارت بيننا الونسة التالية:
ـ أراك تتكلم معها باللغة المحلية.
ـ نعم، فقد عشت هنا سنوات عديدة.
ـ بصراحة شخصيا لا أميل لخيار زواج الأجنبيات لأنه محفوف بالمتاعب، لكن مبروك على أي حال.
ـ القسمة والنصيب.
ـ هل نلت موافقة أهلك؟
ـ نعم، وأمي تستعجل سفري بحفيدها المنتظر مع والدته.
هنا دخلنا المصعد فقلت له: نحن في الطابق 16، الشقة قبل الأخيرة على اليسار، مرحبا في أي وقت.
2
مضى شهر وبعض شهر من هذا اللقاء العرضي ولم يتكرم بالزيارة ولم أصادفه، فسألت عنه، فقيل:
لقد وضعت زوجته في ظروف بالغة الشدة، وواجه طلباتها وضغوط أهلها وهو عاطل فلجأ لرجل أعمال سوداني شهم طالبا النجدة بمعاونته على السفر للسودان، ولكن فاعل الخير رفض إعطاءه " كاشا" حتى لا يصرفه ويستمر في تخبطه مثل المرة السابقة، لكنه وافق على تحمل تكاليف تسوية تخلفه مع الجوازات وتذكرته بشرط أن يطمئن على مغادرته في المطار بنفسه.
3
قرر الكهل المغترب في الخليج الاستثمار في ولديه البكرين، اللذين أنهيا الثانوية فبعث بهما للدراسة في الخارج علوما متطورة بالإنجليزية. وصل الصبيان إلى تلك العاصمة المفتوحة فهالهما منظر البنات الكاسيات العاريات المتدفقات في الشوارع والحرية الرحيبة. وبناء على اتفاقهما تخلف أحدهما في العاصمة لإنجاز بعض المهام بينما تابع شقيقه السفر لمدينة إقليمية لتهيئة أوضاع دراستهما فيها. سرعان ما تعرف "العاصمي" لشابة لاهية فقضى معها أسبوعا مثيرا ثم اصطحبها في سفره ومعها صديقتها من أجل شقيقه، وكأنما تلك المدينة النائية قاحلة من بنات حواء!
استقبل الشقيق "الإقليمي" الموكب الصغير في الشقة الجديدة، حيث تناولوا عشاء فاخرا أعقبه تجرع أم الكبائر، ونظرا لعوديهما الطريين وعدم اعتيادهما دارت الكؤوس برأسيهما فراحا في غيبوبة غريبة. صحا أحدهما ضحى الغد قاصدا الحمام، غير أنه خلال عودته منه تنبه لغياب العشيقتين، ليس هذا فحسب بل فوجئ باختفاء جواليهما، وحتى نقودهما التي كانت في المتناول، فأيقظ شقيقه في ذعر، فطارت السكرة وجاءت الفكرة، وأقبلا على بعض يتلاومان، تنهشهما الحسرة، ولاسيما أنهما لا يعرفان للشابتين مكانا ولا عنوانا. كانت هذه اللطمة الأولى ولكنها لم تكن الأخيرة فقد استغنت الشركة عن خدمات والديهما بعد أشهر في إطار إحلال الأطر الوطنية فشرح لهما الوضع المستجد طالبا عودتهما واللحاق بالأسرة في السودان فاستجاب أحدهما وسافر، أما الآخر فقد عصا وراح في درب التخبط والفشل اللولبي.
4
قبل أسابيع أفرغت الطائرة القادمة من شرق آسيا فوج ركابها في مطار الخرطوم ونسمات الفجر الرطيبة تدغدغ المشاعر، وكان من ضمن الذين أنهوا إجراءات القدوم وتدافعوا لبلوغ الساحة الخارجية شاب ضال، حائر ترك وراءه في بلاد الواق واق طفلته وأمها تواجهان المجهول وفر منهما هاربا، متهربا بلا شهادة ولا مهنة وهو لا يحمل في جعبته من رصيد سوى لغة إنجليزية يثرثر بها دون طائل، مواجها هو الآخر المجهول أيضا!
5
كان شقيقه الذي استقبله في المطار يحمل عنه حقيبته الصغيرة على كتفه، وعندما أطل على الحوش في بيت الأسرة في الحي الشعبي الطرفي في العاصمة السودانية هرولت تجاهه أمه في لهفة تحتضنه في شوق، ثم دخل إلى الصالة حيث كان أبوه جالسا على سرير لا يقوى على القيام، وقد أثقلته السنون وأمراض الشيخوخة، فاحتضن فلذة كبده متمتما في تعثر " أهلا يا بني، حمد الله على السلامة"، وقد هزمته دمعتان كناية عن أحلامه التي تبخرت! وفي الأثناء كانت الشمس تنشر أشعتها العسجدية إيذانا بميلاد نهار جديد!


أنور محمدين
مانيلا ـ الفلبين




ممتع حد الدهشة يا استاذ واصل من غير فواصل نتابع بشغف .

أنور محمدين 06-05-2013 03:01 AM

رد: خواطر وذكريات
 

الفصل الثاني

أرض الكنانة
(1)
.. هبطنا مصر
طوال سباحتنا في الفضاء كنت في منلوج، أي حوار داخلي ذاتي مقيما تجربتي السعودية، التي ختمت بفعاليات وداع وصلت 6، وهو رقم استثنائي، إذ لم أعاصر شخصا قبلي ودع بمثل هذا الكم والنوع، ولكيلا أتيه تكبرا شكرت العاطي، الذي وفقني على مصاحبة الأخيار الذين لفرط طيبتهم قللوا من شأن مثالبي وأعلوا من قدر مناقبي بميزان عين الرضا، ولا أنسى أن الفعالية السابعة أنتم قرائي، فقد تدافعتم لتحيتي والتفاعل مع قرار رحيلي الذي بثثته لكم في مقالي " شكرا.. وداعا"، مع كريم تعاطفكم، ولا ريب أن النخبة التي كتبت عبرت عن الأغلبية الصامتة، التي تحرسني بدعواتها، فضلا عن عشرات الرسائل عبر جوالي وبريدي الإسفيري، والشكران لكل فرد أحس بي، وحقا أن الإنسان يرى قدره في مرايا الآخرين عبر مواقفهم، بل حتى يقرأه الحصيف في إيماءات الناس وخلجاتهم، وفي عيونهم، فالانحناءة لكل من أسهم في تتويجي بهذا الإكليل العظيم.
الآن تتوقف الطائرة ونسرع منها إلى الحافلات التي أقلتنا إلى حيث الجوازات، التي لم تستغرق سوى دقائق، وللعلم ليس مطلوبا ممن تجاوز الأربعين من السودانيين تأشيرة دخول لمصر يا شباب. أتجه لفرع البنك بجواري وأستبدل 500 ريال سعودي بما يعادل نحو 750 جنيها، وعلمت لاحقا أن الاستبدال في الصرافات أعلى من البنوك بقليل. وبعد تسلم العفش من السير الدوار خرجنا إلى موقف سيارات الأجرة، التي تزاحم سائقوها علينا. بعد فهم الموقف اتفقت مع مسن على إيصالنا بـ 70 جنيها. ونحن مستغرقون في رفع العفش والاطمئنان على تسجيل مشوارنا استقبلت أولى المكالمات من شقيقة أم محمد التي تقيم في القاهرة مع عيالها وطمأنتها بوصولنا ولكني لم أستوعب جيدا وصف موقع البيت. تحركنا ببطء مع سيل السيارات الغادية والرائحة ونحن نتلفت يمنة ويسرة نتملى في نبض الشارع المصري الذي يمور بالنشاط ويعج بحركة المركبات والسابلة. كان المنظر العام مختلفا عما تركناه وراءنا حيث الهدوء والنظام والانضباط. المشوار طويل ما جعل أم محمد تتضجر وتشك في أمر السائق فطمانتها راطنا بأنه شيخ كبير وأن العبد لله قادر على هزيمته في أي منازلة بيسر إن حدثته نفسه الأمارة بالسوء ابتزازنا أو الاستيلاء على تحويشتنا الريالية، لكن إن شهر سلاحا فـ " يومك يا رجل" تاركين الجمل بما حمل. أخيرا وصلنا حي فيصل الطوابق مقصدنا، فأجرينا سلسلة من الاتصالات مع الأسرة حتى دخلنا شارعهم الجانبي، وحين اقتربنا لمحنا أختها وكريمتها الصغرى تسرعان تجاهنا، متزيية بالتوب السوداني لنميزها فكان اللقاء وكان الهناء. عند ما أعطيت السائق حسابه تلفت لحمل العفش غير أن أختنا نادت زوجة البواب، التي حملت حقائبنا الثقال على كتفها صاعدة بها للشقة في الطابق الأول في خفة ورشاقة، وبيني وبينكم هي لا تقل سحرا وجمالا عن أي مذيعة تلفزيونية تضع نفسها في مصاف ملكات الجمال، وكم في " الحظ" من مظاليم! والصباح رباح.

أنور محمدين 09-05-2013 03:25 AM

رد: خواطر وذكريات
 
هل نتحسب لهجوم دارفوري؟
1
قبل سنوات قال لي من تزوج نوبية في عطبرة إنه اختارها لأنه معجب بالتحضر النوبي، الذي قال إنه يتمثل في أنهم قوم مسالمون، فهم من القوميات النادرة في السودان، التي لا تتسلح ببندقية ولا سيف ولا حتى بسكين على الذراع أو عكاز.
2
لاحظ ضابط الشرطة المنقول للشمالية وينتمي لدارفور خلو بلاغات العنف والمشاجرات والاغتيالات طوال الأشهر التي قضاها في مكتبه الأمر الذي جعله يقول " الآن فهمت لماذا تقدم أهل الشمال".
3
في قرانا الوادعة يفتح الباب الخارجي للبيت على مصراعيه أول من يصحو من النوم لصلاة الفجر ويقفله آخر الداخلين نحو العاشرة مساء، كما تعلمون.

أعلاه 3 مشاهد من ربوعنا النوبية الحبيبة، التي نعتز بما سار عليه سلفنا العظيم فيها ونمضي على دربهم حامدين، شاكرين نعمة الأمن والأمان.

ما الجديد؟
راجت شائعات قوية وأخبار متواترة خلال اليومين الماضيين عن اعتزام حركات دارفور المسلحة شن هجوم على الشمالية، ما جعل المسؤولين في دنقلا يصدرون بيانا عن تشكيل قوة مسلحة برسم درع الصحراء للزود عن حياض الولاية عند أي اعتداء. جاء هذا على لسان الأخ أحمد أبوزيد مدير الأمن ( مسيدة) وأعلن الشاذلي معتمد دنقلا حالة الاستنفار، وهو من أبناء دنقلا، ولم أتشرف بمعرفة أي منهما، غير أنهما محمودا السيرة . وشخصيا لا أستبعد احتمال الغارة لسببين:
ـ بما أن الشمالية الواحة الوحيدة الخالية من النزاعات المسلحة والاضطرابات في السودان بكل أسف تقريبا فهم يرمون لبث الذعر فيها أيضا توسيعا للجبهة ولإحداث فرقعة داوية!
ـ ورد في كثير من أدبيات الحركات المسلحة اتهامات واضحة لأبناء الشمالية عامة والنوبيين خاصة بأنهم ممن استحوذوا على السلطة والثروة على حسابهم! رغم أننا مظلومون، لا ظالمون، ومن أهل "الهامش". الواقع أن شعارات ثوار الحزام الهامشي ذرائعية، مرحلية ولكن غايتهم " سيادة العنصر الزنجي والانتقام من أهل الشمال والوسط لأنهم استعبدوا أسلافهم"، وكأن جدودنا كلهم كانوا تجار رقيق، وهب كانوا كذلك ما ذنب الجيل الحالي؟ بصراحة إن تمكن هؤلاء الحاقدون من القصر ستجري دماء بريئة في الشوارع، وسيكون من تحت الأرض أسعد ممن فوقها، وما حدث في العاصمة يوم وفاة قرنق "بروفة"، و" اللي يعيش يشوف"، هل من همه التنمية يقتل العاملين في طريق الإنقاذ الغربي وهو أهم مطالبهم وينهب معداته؟ انظروا كيف أكرم واحترم أهلنا من نفذوا طريق أم درمان ـ دنقلا ـ وادي حلفا!

ما العمل؟

أولا ـ علينا التثبت من هذه الأقاويل ما أمكن رغم أن العمل العسكري عادة يخضع للسرية والمباغتة، والحرب خدعة.
ثانيا ـ مطالبة المسؤولين بأن تكون نقطة ارتكاز القوة الجديدة منطقة السكوت والمحس لأن ظهرها مكشوف، بينما توجد قوات مسلحة في دنقلا والدبة ووادي حلفا ومروي.
ثالثا ـ من المهم التنسيق بين قياداتنا الشعبية في مختلف قرانا حتى إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد في التو واللحظة.
رابعا ـ على شبابنا عقد اجتماعات في قرانا لبحث الأمر وتوعية القواعد والتحسب للاحتمالات والتفاكر في كيفية التصدي لأي عمل عدائي قبل وأثناء الهجوم وبعده، في هدوء، والتزود بأرقام جوالات المسؤولين المحليين من معتمدين وشرطة وكذا الجهات الولائية كالجيش والشرطة والدفاع المدني والمستشفيات والهلال الأحمر وغيرها للاستنجاد عند الضرورة.

وبعد:
هذا مجرد ( اجتهاد) من مهموم بالبلد والأهل منذ سنوات بعيدة، وهو قابل للمعقولية والعكس، بهدف ألا نفاجأ ذات صباح بأنات الجرحى وعويل الثكالى " الله يكضب الشينة". وإنني لعلى يقين بأن " فتح الخشم" هذا سيأتي بآرائكم النيرة السديدة أكثر من طرحي الفطير العجل، من أجل المصلحة العامة، ولأن الرأي رأيكم جاء عنواني استفهاميا.
وأختم بالدعاء على وقع إنشاد أهلنا الختمية: اللهم اشغل أعداءنا بأنفسهم وعجل بالنصر وبالفرج!

أنور محمدين 13-05-2013 08:12 AM

رد: خواطر وذكريات
 
(2)
" قدلة" في سوق الحارة
بعد تبادل التحايا والأخبار دلفنا لداخل الشقة الفسيحة ووجدناهم وقد هيأوا لنا غرفة بكل مستلزماتها فرتبنا أمتعتنا ثم تناولنا العشاء، ورحنا في سبات عميق لا يكدره سوى البرد الذي يفري العظام، رغم أن فصل الشتاء يؤذن بالرحيل، وبينما كنت أغوص تحت بطانية ثقيلة تذكرت وصف أستاذنا الطيب صالح أوربا بأنها بلاد تموت في البحر من البرد حيتانها، والبرد عذاب، إذ جاء في محكم التنزيل " ريح صرصر.."، والصر البرد وتكرار الحروف كناية عن الشدة، كأن تقول صل الجرس وصلصل.
استقر بنا المقام في بيت عديلي توفيق، ابن خالة أم محمد، الذي لحسن حظنا كان قد قدم من الخرطوم لقضاء عطلته السنوية مع أسرته قبيل أيام معدودة، وهو نائب مدير العلاقات العامة والإعلام في جامعة أم درمان الإسلامية وله مع رصفائه أفلام تسجيلية فازت في محافل عالمية، وبالمناسبة هو شقيق المهندس الرشيد فقيري وزير التخطيط العمراني في ولاية الخرطوم ( من عندنا).
الصباح التالي كان عطلة لذا اصطحبت البنت الصغرى، وهما اثنتان في ابتدائية مصرية بينما شقيقاهما في ثانوية بالمنهج السوداني. وهي رغم صغرها تتحلى بالروح الفكهة والمداعبة لأستعين بها دليلا. في واجهة العمارة وجدت سيدة تفرش على بسطة شيئا من احتياجات البيوت وتساندها ابنتها الصبية المليحة، وفي الناصية دخلنا محل جوالات حيث سارعت بانتقاء شريحة لجوالي الجديد الهدية. استأنفنا السير وأنا أتلفت يمنة ويسرة للوقوف على نبض الشارع .. بعض الملامح كما تركتها منذ سنين مثل تسوق ربات البيوت بإدلاء سلة ( سبت) للبقال، الذي يضع فيه الطلبات فيرفعنه للطوابق العليا دون عناء النزول المتكرر، كما لاحظت كثرة مكاتب المحاماة وعيادات الأطباء الاستشاريين أساتذة الجامعات حتى في تخصصات متناهية الدقة في شوارع الحي الشعبي. وأخذت أطوف على المحال وشريت الدجاج الذي يجهز في الحال بعد أن تحدد طلبك حيا، إن لم يرق لك اختيار الجاهز ثم أقبلت على السمك والفواكه والخبز، ولاحظت في انطباع أولي أن رخاء مصر الذي عهدناه قد تراجع، ولم تعد لوحة الوفرة التي رسمها المتنبي بريشة إبداعه معبرة عن المشهد:
نامـت نواطيـر مصـر عـن ثعالبهـا *** فقـد بشمـن ومـا تفنـى العناقيـد
والنواطير هنا الحرس أو العساكر ويقصد أنهم تغافلوا متواطئين وتركوا " الحرامية"، أي الثعالب يأكلون العنب ويشبعون فما نفد العنب، فالبشم التخمة، كناية عن خيرها العميم، ترى ماذا عن نواطير السودان وثعالبه؟!
في درب العودة للبيت لمحت عربة كارو في الزحام يجرها حمار فتذكرت الأسطورة التي كان يخيفنا بها الكبار عندما نقترب من حرباء بأنه إن عض غاضبا لا يترك فريسته إلا عندما ينهق حمار القلعة في مصر، وكنا نرتعد خوفا، وحين وعينا قليلا حرنا: .. حسنا، وماذا لو تخابث ذلك الحمار اللعين وتلكأ في النهيق؟!

أنور محمدين 20-05-2013 03:32 AM

رد: خواطر وذكريات
 
.. مشاهدات جولتي اليومية
(3)
من عادتي النوم المبكر والاستيقاط قبيل الشروق، ولكن أهل البيت هنا يسهرون وفي الصباح يرتبون أولادهم للمدارس ثم يتابعون النوم حتى منتصف النهار مثل أسرنا في الخليج، أولم يتغزل الهائمون في وادي عبقر بنؤومات الضحى اللوادن؟! إزاء ذلك أتسلل خفية بعد تناولي كوب شاي معد في المطبخ وأخرج أتنفس هواء الصباح ونسماته قبل اشتداد الحركة والزحام، في العاصمة الكبرى التي تتحدث تقارير عن أن الذي يعيش فيها كأنما يدخن 20 سيجارة يوميا نتيجة التلوث الناتج عن عوادم السيارات المتعبة وتلال النفايات المكدسة أينما توجهت ( في بعض الدول يعاد تدويرها وينتفع بها، بل تصدر)، حتى النيل سليل الفراديس فقد هنا حيويته وصفاءه وأدركته شيخوخة التلوث لينتشر الكبد الوبائي الفتاك، بينما تخنق أفقها الفضائي غلالة من الغازات والأكاسيد المؤذية ما أحال لون الأبنية العتيقة أدكن ! إذن العيش الدائم هنا انتحار بطيء، لذا يتجه بعض الناس لمدن الضواحي مثل 6 أكتوبر.
أبدأ طوافي عادة بقراءة عناوين الصحف وهي بالعشرات، المفروشة أمام المكتبة، أحيانا تشدني بعض العناوين المثيرة الدائرة في أسنان الكيد السياسي أو الفضائح الاجتماعية مثل عنوان الخبر الذي يدور حول ضبط خلية لتبادل الزوجات في أحد أحياء القاهرة الشهيرة! ولكني أعرض عنها وأحرص على شراء مجلة العربي التليدة وبعض الكتب المفيدة. بعدئذ أمر على محل عصائر طازجة وأشرب كوب عصير قصب، يقول صاحبه إنه بصدد فتح فرع له في الخرطوم، أو أتعاطى عصير الفراولة المنتشرة في موسمها مخلوطا بعصير ملك الفواكه الرمان، الذي يخلص الجسم من السموم.
أمضي متأملا حركة البيع والشراء، ومع الصباح الفول سيد الموقف بين مشتر له للبيت وآكل له سندوتشا وهو عابر للعمل أو جالس بإضافة السلطة أو زائد البيض المسلوق، ( أدعي بأن أول سندوتش في العالم هو فطير القراصة بالتمر، زادنا العظيم للسفر). عموما البيع هنا من خلال 3 مستويات، وكل بسعره: في محال منظمة ومرخصة ونظيفة أو العرض على ترابيز على الشارع أو عبر بسطات على الأرض تديرها نساء. ومن يراقب المصري يجده مجبولا على الحركة، مفعما بالنشاط، حتى في مشيه يكاد يهرول، وحين ضاقت عليه المعيشة صار قليل الاهتمام بالغير، دائرا حول نفسه وأسرته النووية دون الممتدة والجيران والأهل، خاصة في المدن، ما فرض أن يأتي كل فرد بدخل مادي للبيت لمجابهة ضغوط المعيشة عكس السودان فتجد حتى " الشافع" هنا يبيع سلعا هامشية أو صائحا أمام محل تجاري ترويجا للسلع بطريقة ببغائية / ومن لم يجد مجالا يستوعبه يركب موجة الشحاذين، الذين يطوفون بالطبل والمزمار مرددين أهازيج منغمة إدرارا للعطف، أما الصغير قليل الحيلة فيرفع يده بسؤال الناس متوسلا: " .. والنبي صاغ"!

أنور محمدين 23-05-2013 03:19 AM

رد: خواطر وذكريات
 
سوق دلقو تبيض ذهبا
أولمنا ابن عمي عماد غداء في البلد، وضمت المائدة ضيفين، أحدهما من المناصير عمل مزارعا مع عمي سنوات، وحين ظهر تنقيب المعدن الأصفر ذهب يسعى مع غيره لجني الثروة، غير أنه يحرص على التواصل وفاء وحسن عشرة كل ما سلك الطريق بين أهله جنوبا وحفرياته في نواحي وادي حلفا شمالا، والآخر حمدي من مشكيلة تربطه آصرة القربى بأسرتنا وهو مستثمر في خدمات الذهب المساندة، وقد ألح على زيارتنا له في موقعه، وبما أن النية كانت قائمة قلنا خير البر عاجله.
انطلقنا أول الظهيرة: عماد وهو معلم فتح له الذهب باب رزق دفاق، فهو يمتلك بئرا كان يسقي بمائها نخلا وعلفا وخضرا، فجاءه مستثمر فاتفقا على أن يحصل على الماء من البئر عبر تناكره الخمسة لغسل التبر واستخلاص الذهب. يتتابع الاغتراف من السحر حتى الغسق، وعائده ينافس دخله من مهنة الأنبياء أضعافا، وكذا وضع جاره أشرف، وفي حلتنا مخبز يوالي ناتجه لمنقبي الذهب، وآخرون يستأجرون سياراتهم، ورأيت نحو 30 طلمبة على النيل ترفد الماء العذب للتناكر، التي تعمل على مدار الساعة. ورفيقنا الثاني ابن عمي المهندس محمد عوض، الذي يقضي عيد الفطر( الفائت) مع الأهل قادما من الدمام، ورابعنا المنصوري.
حل ركبنا في استراحة حمدي المديدة، في سوق دلقو الجديدة على بعد ربع ساعة من حلتنا، (شمال شرق)، يمين الظلط. وآنسنا عامله القادم من الزريبة، الذي رسم لنا صورة عن خلاوى الشيخ البرعي وحوارييه ومريديه والمرضى ومرافقيهم، إذ قال إنه لفرط الزحام يعود كثيرون دون رؤية الشيخ بعد الاستمتاع بإنشاد جموع الذاكرين وتمايل حلقاتهم وحمل بخرات من المسيد، بينما المعارف وأرباب السيارات الفاخرة يحظون من البطانة بالاستقبال والضيافة ويسر المقابلة.
ومن الطرائف التي رواها أن البرعي بدأ يسأل عن أحد معاونيه ليؤذن بالصبح، فعاجله مريض مصفد مستنكرا: يا شيخنا، هل أنت أكبر من الأذان، ما تؤذن براك؟ فأيده البرعي وشرع فيه! وصدق من قال: خذوا الحكمة من أفواه المجانين!
سألت مرة الدكتور عثمان عبده استشاري الأمراض النفسية والعصبية الساطع: هل العلاج الروحي مجد؟ أجاب: نعم، بشرطين.. إيمان المريض بجدواه، وصلاح الشيخ ( إيدو لاحقة).
بدأنا الطواف على المدينة الصحراوية.. مطاعم، مقاه، متاجر، محال حرفيين.. أحدها يسمى " زنقة زنقة"، عيادة طبية تابعة لمستشفى دلقو، مكتب صحة البيئة، نقطة الشرطة، موقف البصات، الذي تنطلق منه وإليه عشرات البصات والحافلات يوميا للخرطوم، وادي حلفا، دنقلا، عطبرة، والسكوت حيث موقع التنقيب الغربي، مشهد أقرب لشارع سوق ليبيا الرئيس أو اللفة، بجانب طواحين الحجارة التي لا يهدأ هديرها، بينما ينصب النشاط المنجمي على بعد 80 كلم ش. ق. عند جبل البوم.
هنا يمور كل أبناء السودان في رزقهم دائبين يستنطقون الكنوز الخبيئة، جلهم من الغرب، بعيدا عن أعاصير ساس، يسوس. القصص لا تنتهي.. من وجد 3 كيلو في ساعة وعاد بعد أن وزع ما يحمل من زاد للضاربين الصخر .. المتصارعون في ملكية منجم مع استعداد كل منهم للزود عن خندقه الواعد بالقوة حتى ضد الشرطة، بينما هناك كثيرون يعودون يائسين، بائسين يستلفون حتى " حق المواصلات" مرددين " مشينا مكة تغنينا، قلعت طواقينا"، ونحن نتفهم هذا عندما نتذكر أن من خصائص المعادن النفيسة الندرة، ولكن قوة الأمل المفعمة بحكايات ضربات الحظ تجلب مزيدا من المغامرين الطامحين، الحالمين كل يوم، فـ " يرزق من يشاء..". سألت قادما من السعودية امتلك مقهى عن عودته لها فقال منشرحا: يا أستاذ، الناس اللي ما كان عندهم حمير هنا ركبوا العربات وتطاولوا في البنيان.. ما أمشي إلا لتجديد الإقامة وأرجع "أكابس"! ولا غرو فالمصريون كانوا يجلبون الذهب الأصفر اللامع من النوبة 2400 ق.م. وحركة الإيداع في البنك الزراعي في دلقو متوالية ما يحتم نقل الأرصدة لدنقلا مرتين أسبوعيا، الأمر الذي دعا بنك السودان ليشرع في تشييد فرع بدلقو.
في الجوار في أبوصارى المنجم الصيني الرسمي، ويقول مصدر من خارج السودان على صلة بأسرار المكامن: إن بريق الذهب الذي يخطف الأبصار مجرد " الحنة البيضاء" ولكن الثروة الكبرى لم يمسسها بشر بعد، وهي اليورانيوم، والأعراس آتية لا ريب فيها، وتفاءلوا بالخير تجدوه.
عند عودتنا مساء كانت النسيمات الطرية توشوش نحور الروابي وصدور الأودية هامسة في عشق، وحين ارتجت سيارتنا صاعدة في عناء لتستوي على الأسفلت التفت ورائي فرأيت مدينة الأرزاق الغدقة، الجديدة، الصغيرة، المتوثبة تتوهج في لج الأضواء " النبرية"!

أنور محمدين 27-05-2013 03:03 AM

رد: خواطر وذكريات
 


حول الأسرة البيضاء
(4)

حين حللت بمصر كنت تواقا لرؤية أكبر عدد من أهلنا المقيمين فيها والعابرين لطول غيابي عن الوطن، وقبل الإبحار في دنياواتهم من المفيد أن نعرف أن مصر سميت على مصر بن بيصر بن حام بن نوح، لأنه أول من سكنها بعد الطوفان وحث والده وإخوته على اللحاق به، وقد كان.
بعد يومين من وصولنا بدأت الطواف على الناس.. ما رأيكم لو رافقتموني في الجولة الأولى للوقوف على " عينة" قد تعكس الواقع؟
كان صهري توفيق مرافقي ودليلي، وهو خريج مصر، الذي أوضح لي أن حي الفيصل الضخم، وهو في الطريق إلى الأهرام، كان منطقة زراعية وإذا العمارات تشق عنان السماء فالغول السكني يغتال الأرض الزراعية نتيجة الثقل السكاني على الضفاف والتوالد الأرنبي، وحين خضنا الزحام في دروب الحارات سألته ممازحا: هل كل واحد من هؤلاء له مرقد ليلا؟
شملت زياراتنا على التوالي:
ـ عبد الكريم ( سبو): بأسرته، يأتيه إيجار بيته في الخرطوم، ولداه الكبيران تخرجا ويعملان في السودان، له نشاط يدر عليه دخلا يتمثل في عمله "وسيطا" في استئجار الشقق للزائرين وشرائها، شأن كثيرين. حكى لي أن ذرية الجيل الأول من الذين سكنوا مصر أصبحوا من "المؤلفة قلوبهم"، بمعنى "توليفة". وتبرم وتوفيق من تعقيدات التحويلات المالية من السودان وعسرها وضآلة مردودها تبعا للظرف الاقتصادي الشائك.
ـ عبد الغفور( توندي)، بعل خالتي، متقاعد، أولاده تخرجوا أطباء ومهندسين يعملون في الخارج، يعاني وعكة كسر تلزمه السرير الأبيض، ولكن روحه الدعابية تأسر الزائر. لديه معاش مصري من عمله في سلاح الحدود، وهو من إشراقات مصر الرائعة تجاه من خدموها من جنوب الوادي، ويطلب زيارته أبناء رجل الأعمال السعودي المتوفى الذي خدم معه للاستئناس به فيما اشتجر من مسائل التوريث بحسبانه شاهد عصر، ويوالون رفده بمعاش شهري على غير المعتاد في أرض الحرمين. الشقة ملكه وكريمته الكبرى التي يعمل زوجها في السعودية تسكن أسفلهم في شقتها المشتراة.
ـ صالح ( دلقو)، عمل طويلا في غابات حلفا الجديدة، وترعرع أولاده في قرية 10، يسكن الحاج يوسف، متقاعد، أولاده في الخارج. كان يسير في بحري فقذفت به سيارة مسرعة ليعتلي "كبوتها" ثم يقع مغشيا عليه، يعاني كسورا، وأجريت له عمليات جرحية (لا جراحية) في الخرطوم غير أنه ظل في أنين وسهر، وراجع أكثر من طبيب دون جدوى. أسرع به لمصر ولده وابنته المعلمة وشقيقه، فقال النطاسي المصري: كله تمام في جبر الكسر، ولكن كيف لا يتنبهون في السودان للجرح المتغرغر أسفل مسطرة الجبيرة؟ أما ابنته فابتهلت السانحة وأجرت عملية غضروف ناجحة، غير أنها خرجت تتسوق عند السفر فنصحتها بأن " المحافظة أهم من العملية" بحكم العلاقة الأسرية، إضافة لطلوعها السلالم للطابق السادس مرة لتعطل المصعد. فورعودتها ذاقت الويل وخضعت لعملية جديدة في الخرطوم، والحياة مدرسة ولكنها تختبرنا أولا ثم تلقننا الدرس، عكس المدارس! وأسرد كل هذا لنستفيد من تجارب بعضنا بعضا.
ـ وجدت أسى على مريض من حلفا زرعت له كلية غير معيارية فتوفي مأسوفا عليه. كثيرون هنا يأتون للعلاج، وآخرون يقصدون الأردن، وميزة الأخيرين الأمانة والمهارة والمواكبة ولكنهم باتوا "سعرانين" في "عصر" المريض ماديا. وحالات الفشل الكلوي متزايدة باطراد بصورة مخيفة ( 15 ألف مريض في ولاية الخرطوم فقط، و4 آلاف يغسلون في السودان بأجهزة معظمها مريض)، والعملية تكلف نحو 30 ألف دولار. وعلمت أن 13 سودانيا ينتظرون من يشتري كلاهم بعد أن أكملوا الفحوص، وتشع هنا الحكمة الصندلية المنسوبة لسيدنا علي " لو كان الفقر رجلا لقتلته". وبيع الأعضاء البشرية ممنوع دوليا لأنه صنف من الاتجار بالبشر، ولكنهم يفعلون تحت ستار التبرع. وأعجبني مسجد جوارنا يتبنى إنشاء مركز للغسل الكلوي في الحي، وعقبال مساجدنا. ونحن نثق بكوادرنا، التي تتهافت عليها الدول الشقيقة، ولدينا نحو 4 آلاف طبيب خريج سنويا في 32 كلية والخارج ( تخرج في لا من)، لذا لا مشكل في "العموميين" حتى مع الهجرة، ولكن وزير الصحة يقول إنه لديه 6 أطباء مقابل ممرض واحد! هنا القمع مقلوب، فالتمريض الجيد عماد التطبيب. وبالمناسبة هناك نقص عالمي في كادر التمريض وأفقه مفتوح للتخصص ونيل الدكتوراة، لذا ادفعوا طلابنا للالتحاق بكلياته بدل الكليات النظرية ومواجهة شبح العطالة. على كل علينا التوقي بالحرص على شرب الماء النقي باستمرار، خاصة على الريق، والله الحافظ.
و"نحن راجعين في المغيرب" كانت المساجد مكتظة حتى امتدت صفوف الركع السجود خارجها، أما الحشود التي تسعى في الطرقات والساحات المحدودة فأشبه بجماهير ليالي المولد النبوي الأولى في السجانة!

أنور محمدين 03-06-2013 02:56 AM

رد: خواطر وذكريات
 
لماذا يسكنون أم الدنيا .. وكيف؟
(5)
أبادر بأنها حملت شرف لقب أم الدنيا إكرما للسيدة هاجر أم الأنبياء، التي تنتمي لها، وهي مثقلة بمواطنيها الذين بلغوا 92 مليونا، 8 ملايين منهم يعملون في الخارج ويحولون لوطنهم أكثر من 20 مليار دولار سنويا. والسؤال لذي يطرح نفسه: كم يحول السودانيون؟ إنهم كانوا يرفدون خزانة بلادهم بقرابة 4 ملايين دولار، لكنها تراجعت لقرابة النصف، والمعلومة الصادمة الأخرى أنهم يحولون لمصر ضعف ما يحوزه وطنهم تقريبا! أما لماذا، فموضوع مقال، ولكن إيجازا لأنهم يفضلون التحويل عبر السوق الموازية ( السوداء) لفارق السعر الكبير مقارنة بالرسمية، وهذا حقهم، وعجز السلطات عن إرساء معالجات موضوعية. نترك مؤقتا هذا الهم الوطني جانبا ونتجه للسؤال التالي: لم يحول السودانيون لمصرهذا الكم الهائل من العملة الصعبة؟ والإجابة: وفاء لالتزاماتهم تجاه أهلهم الذين يفدون للعلاج، واستثمارا في شراء الشقق، ولقضاء إجازاتهم في ربوعها، وإنفاقا على أسرهم التي رأوا أن تستقر فيها لقناعتهم بأنها أرخى.
إذن كيف يشترون، يستأجرون، يؤثثون، ويستقرون، بدءا بلماذا؟
ـ الدخول لمصر ميسر لأي سوداني، والوصول لها غير مكلف للقرب الجغرافي، برا، نهرا، بحرا، جوا، جمالا، ويمكن مشيا.
ـ بمجرد الوصول لأي مرفأ يمنح القادم 6 أشهر تلقائيا، وإن تخطى هذا يدفع مبلغا زهيدا للحصول على إقامة تجدد سنويا، والله "الكفيل".
ـ من الأفضل الحجز المسبق قبيل القدوم لمصر سواء شقة أو في فندق تجنبا للبحث المضني عند الوصول مع إرهاق السفر ومحاولات الاستغلال. وبعد الاستقرار وتكوين فكرة واضحة عن الوضع يخطو الإنسان نحو امتلاك السكن الخاص.
ـ يمكن استئجار شقة أو امتلاكها، مؤثثة (أغلى) أو عارية، وفي الحالتين هناك وسطاء سودانيون ومكاتب لتقديم الخيارات المتاحة.
ـ الأثاث متوافر الجديد منه والمستعمل، ويمكن الشراء "كاش" أو بأقساط شهرية، والإيجار هنا بالنظام الشهري.
ماذا عن الشراء؟
ـ بعض الناس يشترونها سكنا خاصا وبعضهم لتأجيرها بمعرفة البواب أو شخص من المعارف موضع ثقة، وبعض من في الخليج يحمل المفتاح معه ويستأجرها لمن يقضون إجازاتهم في مصر. وهناك من يشتري ثم يسدد الأقساط من الإيجار بذكاء.
كثيرون " يتمقلبون" لضيق الوقت أو بالوقوع في شبكة من لا يرحمون، وما أكثرهم! لذا جمعت لكم النصائح الأهم عند الاختيار عن الجوانب الواجب مراعاتها عند الشراء أو الاستئجار.
أن تكون مواصفات الشقة:
ـ الأفضل خارج القاهرة لاختناقها بالتلوث المتمثل في النفايات والازدحام والضوضاء وغيرها.
ـ التثبت من صلابة البناء نظرا لانهيار بعض العمارات نتيجة الغش في المواصفات وبارتفاع منسوب المياه الجوفية وهذا من الآثار السالبة للسد العالي.
ـ جديدة ما أمكن فكثير من الشقق القديمة حتى في الأحياء الرنانة مبتلاة بصراصير من العسير القضاء عليها نهائيا، لأنها متفشية.
ـ تدخلها أشعة الشمس ونسمات الهواء، بحيث لا تكون محشورة في عتمة.
ـ التأكد من صلاحية شبكات المياه (مع ضرورة غلي ماء الشرب لمن لا تسمح ظروفهم بشراء المعبأ) وجودة الصرف الصحي وسلامة توصيلات الكهرباء بمختص، ووجود بواب ومصعد في العمارة.
ـ ألا تقع على شارع تجاري أو أسفلها محال نجارة أو مخابز أو ورش توقظ النائمين عند السحر وتزعجهم ليل، نهار.
ـ من الحكمة معرفة السبب الحقيقي الذي حمل مالكها السابق على بيعها أو دفع ساكنها للرحيل. وهذه تذكرني بالنكتة القديمة التي تتحدث عن المستأجر الذي وجد بيتا ممتازا بإيجار قليل فتوجس من عيب خاف عليه، وعند الفجر صاح المؤذن فوق رأسه بالمايكرفون فقال: ألم أقل لكم؟
ـ إن كنت في مدينة ساحلية كالإسكندرية وبورسعيد والإسماعيلية فلا تشتر في مواجهة البحر حتى لا تضطر لتجديد كل شيء سنويا نتيجة الصدأ.
ـ من الخير مراعاة القرب من خطوط المترو أو البصات والأسواق.. أقول قرب وليس جوار " حيطة بالحيطة".
أحبابي: أتمنى لكم منازل مباركة تزدان بنواعم شوادن. وتدفعوا كم على هذه المعلومات التي "قد" تكون مفيدة لكم أو لأحبابكم؟
* أعلاه تعاملا مع الأمر الواقع، لكني أستجيد الاستثمار في دنقلا ووادي حلفا وقرانا، فبلادنا أحق بنا وبما نملك.
بالمناسبة تابعت في الأيام الفائتة أمريكيين وسط حطام منازلهم في أوكلاهوما بفعل الإعصار يلتقطون علما أمريكيا ساقطا فيرفعونه مرفرفا ثم يتجهون لممتلكاتهم، إنه درس " الوطن أولا"، هل نعيه سلوكا وتضحية من أجل البلد؟
حسنا، دعونا نشرب معا عصير كنتالوب حلو المذاق في هذه الكافتيريا الناصية، وهو فاكهة موسمية من فصيلة الشمام، متنوعة الألوان، ومن صادرات مصر النقدية ( أنوي شراء بذوره وإهداءها لمزارعينا .. يلاكم)، وكم فيك يا أخت بلادي من " الفواكه" الفواحة!

أنور محمدين 06-06-2013 02:57 AM

رد: خواطر وذكريات
 
5 نمور تعدو والسودان يحبو
حكى مأمون عوض أبوزيد وزير الخدمة العامة في عهد نميري أنه وصل أبوظبي استجابة لدعوة حكومة الإمارات، التي طلبت كوادر سودانية لتأسيس الوزارات والمؤسسات والمصالح بناء على نصيحة بريطانية فبعث 10 من أفضل العاملين في كل حقل في المجالات كافة، الذين بنوا الدولة التي رعاها الشيخ زايد بحكمته وأبوته ومتابعته اللصيقة حتى إنه كان يسأل في الضواحي عن السواسيو، التي فقسها البيض الذي رآه في آخر زيارة! وعندما احتفلوا بالشيخ محمد بن راشد، الذي رفع بالزانة دبي التي لا تختلف بيئتها عن صحراء العتمور، قال إن الأولى بالتكريم العاملين الذين أنجزوا أحلامه، التي قال إنه لم ينفذ منها غير 10% بعد! وهو ألذي أنشأ أعلى بنايتين في العالم (منتصبة، ولولبية تدشن هذا الأسبوع) وجعل من دبي وجهة سياحية وموئلا للاستثمارات ومركزا لإعادة التعبئة والتصدير برؤية "المبدع" وعقلية التاجر!
ـ لما انتهت الحرب الكورية أوائل الخمسينيات لم تجد ما تصدره غير قص شعور بناتها وتصديرها، انظروا إلى العملاقتين سامسونق وهوندي " دون ألف" لتعرفوا كم وثبت! عدا صناعة السفن والطائرات وكل الصناعات الثقيلة.
ـ أوفد مهاتير محمد آلاف الشباب لليابان ليتشربوا تجربتها وينهض بماليزيا ( تحديدا تقاليد العمل الراقية مثل الانضباط والمواظبة والإنتاجية القياسية .. هناك يحتقر المجتمع من يروغ من الدوام). سأل عنهم بعد فترة فقالوا إنهم مستاءون من ترفع اليابانيين وتعجرفهم حتى إنهم يطلبون منهم غسل المراحيض، فقال في حزم: يفصل كل من يقطع البعثة. وعند عودتهم كان يحضر قبلهم في المواقع صباحا، إنها ماليزيا ملء السمع والبصر اليوم! وقد كتبت في المنتديات والصحف قبلا كيف أنشأت عاصمتها الجديدة بتروجايا دون صرف دولار واحد من الخزانة باستقطاب الشركات واستنهاض المستثمرين!
لماذا لا تحدث "طفرة" سودانية؟
من أهم تعاريف التنمية أن عناصرها 3: الموارد الطبيعية، والبشرية، و"حسن" استخدامهما. وهذا لا يحدث عندنا لسببين:
1 ـ القاعدة: شعبنا غير متعلم، واليابان أدركت أن التعليم مفتاح التقدم فجعلته أولا والمعلمين أعلى راتبا من الأطباء فنهضت. هناك صفحات في تعليمنا ناصعة يكفي أن تخرج في بخت الرضا الملكان فهد وخالد ولهذا كانا من أعظم أملاك "أقل من 10" المملكة حبا للسودانيين. ولكن لدينا مرحلة الأساس قاعدة التعليم، الذي لم نصل فيه مستوى "تعميمه" لكي نرتفع بعدئذ لـ "إلزاميته" قانونا، بل 46% من التلاميذ يتسربون من المدارس في الشرق والنيل الأزرق وجنوب كردفان ( بينهم 3 آلاف من اليافعين خارج النظام المدرسي في ولاية القضارف تبذل جهود لإعادتهم) بفعل الحرب والرعي والنظرة الدونية للمرأة والضغط الاقتصادي، وبالمناسبة يتسرب 12% من تلاميذ الشمالية ويقول المسؤولون إنهم توجهوا لخدمات تعدين الذهب المساندة، فهل يقفز مجتمع جاهل؟
2 ـ القيادة: نحن لا نملك قيادة ملهمة، "مبدعة" كمحمد بن راشد ومهاتير، وحتى القادمون المحتملون سيقودون الدفة بالتسيير الروتيني، ودليلي عدم طرح الفعاليات برامج تنموية مفصلة مقنعة للأغلبية الصامتة، الحاسمة "عند اللزوم"، أقصد برامج محكمة لا بيانات سياسية، أي استراتيجية شاملة تتفرع عنها خطط، تنبثق منها مشاريع مبنية على إحصاءات ومعطيات علمية. وأرجو مخلصا أن تكون موجودة ومتاحة ولكني لم أصادفها لسوء حظي، وهل كان حظي يوما عظيما؟
ـ تقدم السودان ركب التحرر الإفريقي لأنه أول بلد استقل جنوب الصحراء، فمثلا سافر مانديلا الهرم بجواز سوداني للعالم، وعطل بياطرتنا الحبال الصوتية للحمير التي تقل ذخائر الثوار في موزمبيق حتى لا يكتشفهم المستعمر البرتغالي بالنهيق وسط الأدغال .. وتوفي الزعيم سمورا ميشيل بعيد التحرر فتزوج مانديلا أرملته، المناضلة السابقة ، وهي عقيلته الحالية.
أوجعني اليوم أن التقارير رصدت 5 نمور لمنصات الانطلاق الإفريقية هي: أنقولا، غانا، نيجيريا، جنوب إفريقيا، وإثيوبيا، والسودان يهزمه الاحتراب والكيد السياسي وعدم الاتفاق على برنامج وطني طموح وخور القيادة وتقليديتها وهشاشة القاعدة. وأركز على "الوطن" الخالد، لا على "الأنظمة" الزائلة.
كيف الخلاص؟
لا أمل إلا بحكومة تكنوقراط من العلماء وأساتذة الجامعات والمثقفين ترسم طريقنا علميا ونطيعها بالنصح والإنتاج والمثابرة في تناغم ما يتيح "الاستقرار" وهو شرط الطفرة الأول:
متى يبلغ البنيان يوما تمامه * إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟
ويقودها رئيس ذو شخصية كارزمية، له طاقة البلدوزر، فيه شيء من فطانة زايد وصرامة مهاتير وطموح بن راشد وعدل عمر وزهد غاندي، وذلك لكي نستحق وطننا العظيم حكومة وشعبا، هذا رأيي، وهو قاصر ولكنه مملوء أملا، والله أسال ألا يجعلني يوما معتقدا أن رأيي هو عين العقل ورأس الحكمة، وحسبي قول المصطفى (ص): نصف رأيك مع أخيك.."، وللسودان رب يحميه!

أنور محمدين 10-06-2013 03:20 AM

رد: خواطر وذكريات
 
مشاوير السفارتين
(6)
أفادني الأخ توفيق في المسوغات المطلوبة لزيارة الفلبين لأنه كان قد تبنى إجراءات طالب قبلا، وهي: جواز سفر سار، تذكرة سفر ـ استخرجنا صورية بـ 100 جنيه من مكاتب السفريات، حجز فندق في بلد الوصول بالتزامن مع تاريخ الوصول ـ أرسل لنا الابن محمد حجزا صوريا بالنت، كشف حساب بنكي عن آخر 3 أشهر لا تقل انسيابيته عن 3 آلاف دولار أو ما يعادل بعملة صعبة ـ كنت احتطت له من السعودية، و20 دولارا رسوما.
انطلقنا توفيق وأم محمد وشخصي صباحا على سيارة أجرة شقت بنا الزحام حتى بلغنا حي المعادي الراقي، الهادئ، الذي تكسوه الخضرة وتزدان ساحاته بالأزهار الندية، فقد انتقلنا لعالم جميل، الذي حمل هذا الاسم لوجود معدية فيه زمن أنشأه ضابط كندي في عهد إسماعيل باشا سكنا للخواجات والطبقة الارستقراطية على نسق أحياء لندن، وكان لليهود نصيب الأسد.
انعطفنا لشارع جانبي على ناصيته معهد موسيقي، والبنايات على الجانبين بارتفاع طابقين، والشوارع فسيحة. توقفنا أمام مبنى السفارة الفلبينية، أمامها كشك خشبي به 3 عساكر مصريين. ضغطنا على الجرس ففتح الباب وفي الداخل سجل موظف بياناتي ثم كنا على الشباك، بعد ملء استمارة بيانات. فحصت الست القنصل المستندات بدقة وقالت بإنجليزية سلسة: كله تمام، فقط جوازك بقي له 3 أشهر، ولا بد من 6 أشهر على الأقل.
هكذا عاد موكبنا الصغير يشق الشوارع إلى السفارة السودانية البعيدة، ولاحظت في الطريق عمارات جديدة تبنى بالطوب الأحمر، حتى دون "كحلة" أسمنتية، ما يجعل مظهرها "خاما".
النيل تعلو سطحه الطحالب في بعض المواقع، ذلك الفردوس العظيم الذي يجري 6650 كلم يحمل الحياة للملايين رغم قلة مائه مقارنة بنظيراته، فنهر الكنغو يرفد 3 أضعاف ماء النيل، ولا يحتاج لها الكنغو الذي يفيض على حاجته المطر الهائل الصبيب، وبما أنهما يتحدران من خط تقسيم واحد فالتفكير أن يحول جانب من مساقطه للنيل لتغذية حاجة السودان ومصر لأن النيل الأبيض ضعيف لا يدفع في النيل الرئيس إلا بـ 16% فقط ولولا رافد السوباط لما وصل الخرطوم، لكن تنفيذ هذا الحلم يحتاج إلى كسب ثقة الكنغو وودها عبر بناء جسر من المصالح الحيوية التشاركية. أخيرا ترجلنا أمام سفارتنا وكان صف المتعاملين قد امتد للشارع، فتركت توفيق فيه وأسرعت أغير العملة، وبعودتي وجدته قد دفع مبلغا طائلا رسوما فدهشت ولكني لم أتحقق من السبب، الذي سيفاجئني في موقف متأزم لاحقا!
في ردهة القنصلية معرض قديم للمنتجات السودانية، وفي الكافتيريا وجدتهم يبيعون الشاي، الكركدي، والكسرة. أحد أبناء سعدنفنتي يعمل في تصوير المستندات قال إنه طال بقاؤه في مصر، وتزوج بنت أسرة دنقلاوية مستقرة هنا، وبجانب عمله هذا يرسل طرودا بمختلف السلع لتجارنا مقابل أتعابه، وكل له في عيشه طريقة.
اليوم التالي سلمنا الست القنصل المطلوبات على أن نعود ونتسلم تأشيرة الدخول بعد 5 أيام، التي يمتد مداها 3 أشهر. وهكذا نتعلم في سفرياتنا في كل مرة معلومة جديدة ونكتسب خبرة إضافية، وما أجهلنا مهما اجتهدنا في طلب العلم! وهذا يذكرني بحكمة خليل بن أحمد واضع علم العروض:
الرجال أربعة:
ـ رجل يدري ويدري أنه يدري فذاك عالم فاتبعوه
ـ ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذاك ناس فذكروه
ـ ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذاك جاهل فعلموه
ـ ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذاك أحمق فاجتنبوه

أنور محمدين 17-06-2013 03:26 AM

رد: خواطر وذكريات
 
في ضيافة قارئة
(7)
بعد أسبوع من وصولي مصر رن جوالي وإذا بصوت نسائي ينساب فمرحبت فقالت إنها تداوم على كل ما أسطر بإعجاب منذ سنوات وإنها وجدت رقمي على منتدى دلقو، وتابعت بتقدير حفلات الوداع التي أقيمت لي في السعودية. وأضافت أنها كانت تتمنى وجود فعاليات نوبية نشطة في مصر لتكرمني أيضا، وإزاء ذلك تدعوني لتشريفهم في البيت، فشكرتها على مشاعرها وقدرت بسرعة أن ذهابي للبيت يعني تكبيدهم الجهدين البدني والمادي لذا اقترحت أن نلتقي في مكان عام، وحددنا الأسبوع التالي لمشغولياتي الظرفية.
قبيل الموعد اتجهت الثالثة والنصف عصرا للموقع على سيارة أجرة، وأضمرت ألا أحادث سائقها خلاف عادتي حتى لا يكتشف حداثة قدومي فيلف بي، ولكنه بادر بالحديث عند منتصف الطريق واتضح أنه سوداني، مقيم منذ 18 عاما، متزوج مصرية، يزور والدته وأهله في مدني سنويا، وقال إنه لم يستطع بعد التوافق تماما مع الشخصية المصرية! وحين وصلت ميدان التحرير نقدته فوق استحقاقه " فنجرة"، كما يقول الأستاذ محمد سليمان " جراب الحاوي".
بدأت أحتسي شايا طلبته وأتملى في الميدان الذي دخل التاريخ باحتضانه الثوار، وتطلعت إلى الجامعة الأمريكية ومسجد عمر مكرم، الذي يشيع منه كل مشاهير مصر، وأمامي بناية مجمع التحرير التي تحشد كل الإدارات في جوفها فيدور المواطن فيها وينجز معاملاته دون تكبد المشاوير، ويا ليتنا استنسخنا هذه التجربة المفيدة.
تعمدت أن أتزيا جلبابا سودانيا تسهيلا للقارئة، التي قصدتني فتسالمنا وتبادلنا التحيات، وكانت بملابس مسبلة لا تظهر غير الوجه. سألتني إن كنت محددا مكانا نجلس فيه فنفيت قائلا: " طولت من مصر، ولا أتذكر هنا خلاف محل جروبي الشهير". قالت إنها جاءت قبل مدة طويلة في موقع، وإنها ستحاول الوصول إليه. كنا نشق نهرا من الناس نحو 5 دقائق، ثم قطعنا الشارع، حيث استوثقت من عسكري المرور من المكان، ثم سرنا نحو 7 دقائق ونحن نتبادل كلمات قليلة. أخيرا صعدنا على سلالم أسمنتية ونزلنا أخرى، فأمسينا أمام كافتيريا فاخرة، موائدها عامرة بالآكلين، غير أن مشرفا اتجه بنا لصالة المشروبات، التي يفصلها عازل زجاجي شفاف. جلسنا في أول تربيزة صادفناها، وسرعان ما جاء النادل، فطلبنا بعد التشاورعصير برتقال. بدأنا الحديث بتعداد أفضال المنتديات في مد جسور العلائق الإنسانية، وعرجنا على الإسكاي والفيس والتويتر فاعترفت بأنني "سنة أول" فيها، ولكنها كانت سباحة إسفيرية ماهرة، وبينما كنا نتكلم عن مجتمع السودانيين في مصر جاء النادل يجمع أشياءه، مناولا الفاتورة، وحين هممت بالدفع نبهتني: تريث، لأن الدفع معناه المغادرة أو طلب جديد، فكنت أجهل هذا البرتوكول، فقلت: إذن لا بأس من شاي حليب، فجيء به ببسكويت بالكاكاو بناء على طلبي، وحين جاءت الفاتورة الجديدة كان الأنس قد تشعب حول طرائق تطوير المرأة الريفية في مناطقنا، وعندما أردت الدفع اعترضت بأنها الداعية، فأقنعتها: "بسيطة، والحالة واحدة، وحسبك سهم المبادأة". وعندما نحيت قيمة الفاتورة من المبلغ الذي أخرجته مدت يدها وأضافت 5 جنيهات، قائلة إنها البقشيش المعتاد! فعلقت: ما أجهلني في إتيكيت مصر! فضحكنا بينما كانت تعيد جنيهاتها لمحفظتها المتخمة، الأنيقة.
كان وقتها قد تسرب منا نحو ساعتين، فاتفقنا على الانصراف، فحملت عمامتي من على التربيزة ورفعت من جوارها حقيبتها ووضعتها على كتفها. في الشارع سألتها عن عودتها، فقالت إنها ستركب المترو من الشارع التالي، ولم يكن أمامي من خيار سوى التاكسي، الذي أوقفته لي، وحين تصافحنا مودعين حذرتني: "اعمل حسابك، فمظهرك يوحي بأن معك فلوسا كثيرة". انطلقت بي السيارة وأنا ألوح لها مقدرا. في الطريق كنت أفكر في وعي حواء النوبية المبكر، وكيف أن فاطمة أحمد إبراهيم كانت أول برلمانية في الشرق الأوسط 1965، وأن حاجة كاشف كانت ثاني خريجة جامعية، وكيف قادت سعاد إبراهيم أحمد المظاهرات المنددة بالتهجير، وأن هذه الإنسانة المثقفة، المتحضرة، المبادرة امتداد لسجلهن، وهي ليست الوحيدة، ولست أدري لم تبادرت إلى ذهني تلك الشابة التي اتصلت بي ذات نهار منذ نحو عامين وهي غارقة في الضحك من طرفة قرأتها لي، فتجاذبنا الحديث ففهمت أنها موظفة مرموقة في الخليج، وختمته بعرض ينم عن سخاء وطيبة: "والله بصراحة يا أستاذ ما نقدر نجازي جهودك، وعلى كل الخير مدفق، ولو احتجت لأي مبلغ وما اتصلت بي ما مسامحاك". فقلت لها: هذه ليلة قدر صغيرة، وسأستخدم بطاقتها الذهبية عند الضرورة، مثل حق النقض الفيتو في مجلس الأمن، فضحكت.
قطع التاكسي حبل استدعائي المواقف والشخوص بتوقفه في محطة الوصول، فاتصلت بمضيفتي ممتنا ومطمئنا بسلامة وصولي. شكرا يا بنت الكواكب، وأخت النجوم، فقد جعلتيني أكثر وثوقا بأن قرائي كافة من الجنسين مستوى 7 نجوم!

أنور محمدين 20-06-2013 02:54 AM

رد: خواطر وذكريات
 

.. وشغل القرية مشكل العروس
كانت القرية تمضي في هدوئها المعهود، الذي لا يقطعه غير نباح كلب متقطع هنا أو خوار ثور يقاطعه نهيق حمار هناك، وقد تنادي أم صبيها بصوت جهوري لأداء خدمة أو تناول وجبة، ولكن فجأة دب نشاط حيوي نادر، فقد أفاد أحد أبناء القرية والده بقدومه بعد أسبوع، بغرض إتمام نصف دينه من الخليج.
إزاء ذلك انقلب بيتهم إلى خلية نحل .. المهنئون يدخلون ويمرقون، وأكياس الحلوى تتتابع من الدكان المجاور، الصبية نقلوا ملعبهم إلى جوار البيت السعيد، والصبايا قدمن في خفر لعون أمه وشقيقته في عمليات الجير وإعادة ترتيب البيت وكل منهن تمني نفسها بأن تكون المحظوظة، فيما تولى الشباب طلاء البوهية.
الضحى التالي توافدت النسوة ينقين الشوائب من أجولة القمح والذرة، التي حملها شابان للطاحونة، وهكذا أضحت الدار مقصد أنس وابتهاج ازداد ألقه بقدوم الفارس، وعنده نحرت الذبائح ودشنت الأفراح. بعد يوم قضاه في استقبال الضيوف وزيارة المسنين الذين عاجلوه بالدعاء، وعزاء الناس في موتاهم، بدأت مشاورات اختيار العروس التي كان قطبها الوالدان والإخوان وقبلهم شقيقته الألصق بالبنات، وسرعان ما رسا البندول على أمنية .. أحلى بنات القرية، التي يتيم بها الشباب هياما حتى شاكس الصديق من أجلها صديقه.
الخميس التالي كان الفرح الأسطوري وتشريف أهل القرى المجاورة الحدث. وعندما حل المساء كانت الحفلة المشهودة، غير أن مفاجأة كانت الصاعقة .. لقد كف بصر العروس وانطفأ نوره بغتة، وانقلب الفرح إلى حزن وأسى. مع الصباح خف جمع من الأهل بها إلى الخرطوم، ولكن كل محاولات العلاج ذهبت سدى، ومعها أموال طائلة.
عنده استبدت بنا الحبكة التراجيدية، فخطا أستاذنا نحو السبورة ليخط عليها عبارة " الأمراض النفسجسمانية" بالعربية والإنجليزية، واستدار نحونا ونحن في ذروة الإثارة، إذ إننا نترقب قدومه بتوق وشوق، لأنه يعزز محاضراته النظرية بحالات حقيقية ترد إلى عيادته الأمدرمانية (بالطبع مع احترام سرية الهوية، ولكن تكنيك الفن القصصي اقتضى تفاصيلي) .. إنه البروفيسور عبد الباسط ميرغني الاستشاري، أستاذ الطب النفسي في جامعة الخرطوم، الذي تتلمذنا عليه في الثمانينيات " حاليا رئيس قسم الطب النفسي في جامعة الجزيرة، متعه الله بالعافية"، فقلنا له في لهفة: وبعدين يا دكتور؟ فتابع أنهم حين وصلوا إلى طريق مسدود، وأنتم تعرفون أن ثقافة الطب النفسي مازالت هشة في مجتمعنا، اقترح أحدهم عرضها على طبيب نفسي كحل أخير، وهكذا جيئت لنا بالمريضة فأجرى فريقنا " دراسة حالة"
case study
وبعد عدد من الجلسات المتتابعة، التي عكفنا فيها على تطبيق الخطوات التي درستموها انتهينا إلى الخلاصة ومركز العقدة. عنده انتحينا بوالدها وعريسها فصارحناهما: هذه الشابة ظلت تحلم بأن ترقص في ليلة عمرها وسط صديقاتها وأهلها، وهيأت نفسها لذلك سنين عددا، ولكن عندما طلب العريس بحسن نية ألا ترقص وسط الناس انصاعت للأمر صاغرة، ولكن الصدمة النفسية القاسية انعكست في اللحظة الحاسمة إلى مرض عضوي، مثلما يحدث أن ينقلب العضوي إلى نفسي، فسألا في قلق: والحل؟ فقلنا : لا بد من إقامة حفلة جديدة تعبر فيها عن رغباتها دون حجر، وإن شاء الله النتيجة إيجابية.
أسرع الجمع إلى القرية والتأمت ليلة العرس الجديدة، وشدا مطربها المفضل على أنغام الموسيقى الصادحة، فحلقت في سموات الانتشاء وهي تعوم في الساحة كأوزة تياهة، وكان الجميع في فرح ومرح، وحدهم المحبطون من الشباب الذين لكم تمنوها ولم تدفعهم الجرأة للتقدم لها كانوا في الصفوف الخلفية يتجرعون مرارة الحسرة!
وفجأة صاحت العروس وهي تتقافز جزلة: يا الله، أنا شايفاكم! فعلت الزغاريد وتتابعت صيحات السعادة الغامرة وتدفقت أكداس الحلوى وأوعية العصائر، وسهر الجميع في طرب بهيج ورقص بديع حتى ولج النهار في الليل وأقبل نور الشمس يسطع في الساحة، التي ستتذكر القرية أحداثها وتروي تفاصيلها على مدى الأعوام. وفي الأثناء انطلقت سيارة حديثة، صغيرة بالعروسين إلى دنقلا ليستمتعا بعسل شهر عسل مؤجل! ومن بعيد يختلط ثغاء قطيع من الأغنام بأزيز شاحنة عابرة وأنينها.
وبارتداد بصرها في رمشة عين وانفتاحها من جديد على الكون الفسيح بفضاءاته اللانهائية، انكشف أمامنا قاع جديد من قيعان النفس البشرية الغامضة وأغوار قارتها التي تتمدد داخل كل منا، وقد يكون أقرب الناس لنا أجهلهم بخباياها وخفاياها .. ما أعجب الإنسان!


أنور محمدين 24-06-2013 03:56 AM

رد: خواطر وذكريات
 
مع بنات مصر
(8)
أردد أن أجمل ما في مصر ريفها وكتابها وبناتها. عدت لأم الدنيا بعد غيبة تمددت فوجدت بناتها أكثر أناقة وأعلى رشاقة وأزهى زيا. والأزياء بالمجايلة، فالجيل المسن يظهر بالملاية اللف، وهي فستان أسود بخماره، ووسط العمر يرتدي الإسكيرتات والبلاوز، والطاشرات والطالبات الجينز والتي شيرت، والفستان الملون العادي قاسم مشترك. والمصرية ببشرتها الجلي بياضها وبحيويتها وشعرها الناعم ونضارتها تخطف الألباب في شبابها:
الوجه مثل الصبح مسفر * والشعر مثل الليل مسود
ضدان لما استجمعا حسنا * والضد يظهر حسنه الضد
ولكن إثر الولادة ترتخي عضلاتها وتتجه لـ "الجميزية"، بينما السودانية أدوم على قوامها، وهذا يرجع لأثر الجينات الوراثية والنمط الغذائي كما وكيفا.
المصرية كأختها العربية أقل تعليما من الرجل، وتسعى السلطات لتعميم التعليم الابتدائي للإناث بحلول 2015 " يا دوب"، ثم تحل مرحلة الإلزامية بالقانون، علاوة على أن الأمية الأبجدية (القرائية) أعلى في صفوفهن، ناهيك عن الأمية الحضارية المتمثلة في هشاشة الوعي وعدم التصرف الأمثل في مواقف الحياة المختلفة التي تزداد اتساعا وتعقيدا، ولاسيما في الريف وعند كبيرات السن، ما يجعل بعض المفاهيم العصرية غائبة مثل الصحة الانجابية والتخطيط الأسري والكشف الطبي قبل الزواج، فضلا عن طرائق التغلب على مظاهر النظرة الدونية للمرأة، بالمساواة بين الجنسين في فرص التعليم والعمل وخيارات الحياة مثل حقوق الترشح والتصويت، فإن لم نبلغ مستوى أن نصوت لرمز القطية ونسمح للزوجة بمساندة البسكليت مثلا، فكيف بالديمقراطية التي نكاكي بها في عالمنا الثالث المثقل بالتناقضات؟ فالمرأة ببساطة ليست بعض أملاك الرجل، بينما تقود دولتين في إفريقيا هما ليبيريا وملاوي، ودولا رئيسة مؤثرة كألمانيا والبرازيل وكندا، بل قارة مثل أستراليا. (العالم الأول: الغرب واليابان، الثاني: المنظومة الاشتراكية في شرق أوربا، والثالث: إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية وجزر المحيطات. هذا هو التصنيف الكلاسيكي الذي درسناه في العلوم السياسية، فتلاشت الكتلة السوفيتية وامتدت مظلة الاتحاد الأوربي شرقا).
ومن تبعات الجهل انتشار عادة الخفاض الفرعوني، التي لا يقرها منطق ولا شرع " لقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"، ورغم أنها ممارسة في بعض المجتمعات من إندونيسيا شرقا إلى أمريكا الجنوبية غربا، لكنها الأعلى في مصر بنسبة تفوق 90%، يليها بكل أسف السودان ثم إثيوبيا ومالي. وفي عطبرة كنت ناشطا في عدد من الفعاليات، منها جمعية محاربة العادات الضارة، فشاركت في عديد من المحاضرات المدعومة بالشرائح والأفلام فتقول النساء: كلامكم طيب، واقتنعنا لكن من تبدأ؟ فنشير للمتعلمات والخريجات والقادة. وأذكر أن أسرة سودانية متعلمة في السعودية امتنعت عن ختان ابنتهم، لكن حبوبتها ظلت تلاحقهم فأرسلوا صورتها بالقرمصيص، فانطلت عليها الحيلة، وهي تعيش مع زوجها في اغتباط في أوربا، بينما لاتزال الحاجة تعتقد أنه "قضي الأمر"!
ولانفتاح المجتمع المصري على الآخرين وتعودهم السفر وترفعهم عن التمييز العنصري يكثر زواج المصريات من قبل الأجانب حتى بلغ عددهن أكثر من 40 ألفا، ومن أكثر الجنسيات تزوجا بهن الفلسطينيون للقرب الجغرافي، وحتى الإيرانيون الذين نشروا بهذا السبيل أو على الأدق أعادوا نشر المذهب الشيعي في مصر حتى بلغ أتباعه الألوف. أما الخليجيون فيعقدون قرانهم على بنات غضات بمهر مغر، ثم يطلقونهن عند السفر، خاصة في القرى المتاخمة للقاهرة، بتفاهم مسبق مع الآباء الجشعين، وتشكو بعضهن من تعرضهن للإذلال خلال الزواج المؤقت، بل الضرب، ربما بفعل الخمور والمخدرات، وهي ظاهرة شائعة أيضا في جنوب اليمن، مناطق عدن من قبل البحارة والسياح. ويقول صديق مصري إن الضرب لا يقتصر على هؤلاء، بل بعض المصريين التقليديين يتعاملون مع زوجاتهم بالقسوة، ولكن التنكيل النهاري لا يحول دون حدوث ما يوجب الإنجاب ليلاّ! والمصاهرة المصرية ـ السودانية محدودة رغم تجذرها قرونا.
لاحظت أيضا انحسار غزل البنات والمشاغلات في الشوارع، ربما تحاشيا لمضايقات الناشطين الإسلاميين، ولكن كل شيء متاح في الخفاء، ولا يقتصر النشاط على المصريات فحسب، بل يشمل كل الجنسيات (تمثيلنا ماثل قطريا ومناطقيا). والمصريات بارعات في الطهي، خاصة الكشري، والمحشي بالورقيات والأرز دون دسم ولا لحم، وتحلية الرز معمر، التي تستهويني، ولكنهن يطبخن الملوخية مائلة للسيولة، وكانت "الملوكية"، ولكنها حرفت عندما نزلت للشعب الكادح.
نشرت حديثا نتيجة استطلاع مفادها أن المصرية تحفظ السر في المتوسط 72 ساعة، ترى كم تتحمل السودانية " الشمار" الحار؟!
المصريون لا يعرفون مدني والأبيض وعطبرة، بينما نعرف نحن حتى بلداتهم الصغيرة مثل شبرا خيط وشبرا النملة، كما أمازحهم، وهم لا يدركون أن السودان ضعف مصر مساحة وبه 200 مليون فدان تنتظر الإنتاج والإثمار، وفي هذا استغربت ممرضة في مستشفى كوننا سودانيين ولا نعرف صديقتها الخرطومية، فضحكت، وشر البلية ما يضحك!

أنور محمدين 01-07-2013 03:26 AM

رد: خواطر وذكريات
 
كيف عاش نميري في أرض الكنانة؟
(9)
ـ صادفت مرة شخصا يشاركني شراء الخضار، وبدا لي من جلابيته أنه سوداني، غير أنه كان ذا بشرة شديد بياضها، بالمناسبة بعض المصريين شرعوا في ارتداء الجلاليب بتفصيل سوداني. لم يطل ترددي فسرعان ما تسالمنا، فإذا هو سوداني مقيم وزوجته مصرية. بعد حديث قصير أراني شقته وألح على زيارته.
قبل الاسترسال تلقب مصر بأرض الكنانة نظرا لحديث ضعيف " مصر كنانة الله في أرضه، ما طلبها عدو إلا أهلكه". والكنانة السترة والصون. جاء في محكم التنزيل كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
الأسبوع التالي طرقت بابه فاستقبلني ببشاشة. بعد التحايا جلسنا نتونس فعرفت أن زوجته من بني سويف في الصعيد. واتضح أنه من عائلة معروفة في مدني، وأن والده يملك مساحة كبيرة في نطاق مشروع الجزيرة، وأن الحكومة طرحت شراء الأراضي من الملاك فوافقوا فحددت السلطات مبلغا مجزيا للفدان فسارعت بعض إخواته بالبيع ثم قررت الحكومة تخفيض القيمة ثم تجميد الأمر، وحثني على عكس هذه القضية في الصحافة لأنه بصدد بيع ما يليه وتنفيذ بعض المشروعات هنا.
كان الرجل ذا صلة بأسرة الدكتور كامل الباقر مدير جامعة أم درمان الإسلامية وباعثها الراحل، التي تقيم في القاهرة وقد سرني أنهم بخير. واهتمامي يعود لصلة خاصة ربطتني بعالمنا الذي كان "أمة" بأفضاله وفضائله.
قادنا الأنس بعدئذ للحديث عن نميري، فقال إنه كان ناقما عليه لمصادرته ممتلكات أخيه رجل الأعمال الشهير الصادق أبوعاقلة. ولكنه استدرك يقول إنه خبره من كثب بعد تقاعده في مصر، وإنه اكتشف أنه سوداني ابن بلد، وطني، ونزيه، وفي هذا قال إنه لم يكن يملك شيئا فأجرى له الشيخ زايد 10 آلاف دولار شهريا، كان يصرف منها على أسرته والمحيطين به وبعض ذوي الحاجات. وأضاف أنه فتح مكتبا قدم من خلاله خدمات جليلة للطلاب والمرضى بحكم مكانته لدى السلطات المصرية. وأضفت أنه كان يملك قطعة أرض في دنقلا فتنازل عنها لإنشاء مستشفى. وتمحور الأنس حول طهارة اليد الشخصية دون أن يتجه لتقييم حكمه وهو ككل نظام حكم يختلف فيه الناس بين مادح وقادح، فقد قيل قديما:
نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام، هذا إن عدل!
ونشير لشهادة الفريق عبد الرحمن سعيد نائب رئيس التجمع الوطني، وزير التقانة السابق، القطب الاتحادي قبل أيام " كان نميري وطنيا، وقائدا، وزعيما، ومن لا يحبه كان يحترمه".
وما لم أقله إن الوزير الوحيد الذي حوكم بعد الإطاحة بحكمه الدكتور بهاء الدين محمد إدريس مات فقيرا في دارعجزة في لندن ولم يجدوا ما ينقل به الجثمان فتبنى الأمر بكري حسن صالح مع سفارتنا، لا غرو فقد كان قبله في الموقع عينه وزيرا لشؤون رئاسة الجمهورية بسلطانه وصولجانه، وكم في الدنيا من أعاجيب!
وأتذكر معاودتنا نميري بعد تقاعده وهو طريح الفراش في الجناح الملكي في مستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض بمبادرة من العزيز أحمد علاء، فنهض يصافحنا واحدا، واحدا، وكنا جمعا من المحس، وكانت المرة الأولى التي أصافحه أو أجالسه فيها والأخيرة، فشكرنا قائلا إن سيل السودانيين لم ينقطع عنه قط، خاصة أبناء الشمالية، وعندما خرجنا كانت جموع في انتظار الدخول عليه. وفي تشييعه شاهدنا وفاء الألوف التي ودعته في مشهد مهيب. وهنا تنبثق حكمة السيد المسيح " من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر"!
عندما انصرفت شاكرا ترجاني مضيفي أن أحرص على زيارته كلما قادتني الظروف لمصر، وما أروع السودانيين ودا وإخاء، ولاسيما خارج الحدود!


الساعة الآن 11:33 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
تنبيـه هـام : جميع الآراء والتعليقات المطروحة بأسماء حقيقية أو مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع