منتديات قرية عمارة ( البيت بيتك )

منتديات قرية عمارة ( البيت بيتك ) (http://www.3amara.com/forum/index.php)
-   الأثنين : (* سمك لبن عسل تمر هندي * محمد سيد همد *) (استراحة الأثنين *أبو الشوش*) (صنـــدليـة أدول ) (http://www.3amara.com/forum/forumdisplay.php?f=30)
-   -   صنـــدليـة (http://www.3amara.com/forum/showthread.php?t=13460)

حجاج حسن أدول 14-11-2006 12:32 PM

أَبْلَسَةُ النوبة والنوبيين في مصر
 
(أَبْلَسَةُ المُختلِف!) مقال للأستاذ (باسم النبريص) قرأته من عام. استبقيته معي لإعجابي به، ثم عدت لقراءته قراءة نوبية في هذا الوقت العصيب على النوبة، فهذا المقال الجيد كما هو يبين عيب خطير في الشعوب الناطقة بالعربية عامة، وجدته يجسد خاصة عيبا في الشعب المصري تجاه الشعب النوبي المصري. اقتطعت الأسطر الآتية من المقال المذكور..
(في الثقافة العربية، كما في السياسة، ثمة من يُؤبلس المختلف، لمجرد أنه مختلف، وليس واحداً من القطيع. ولكي لا تُؤبلس، عليك أن تتماهى مع الشائع والسائد، متناغماً معهما أو غير متناغم. فالمهمّ هو الظاهر، أمّا ما في المكنون، فلا أحد معنيّ به.. هكذا جرت العادة غير الحميدة، من قديم إلى الآن، والأغلب أنها سوف تستمر، ما لم تتغيّر حياتانا: الثقافية والسياسية. ذلك أن العقل الفقهي، لا يزال يرى ذاته مالكةً للحقيقة المطلقة..) ويواصل المقال (لذلك فكل مختلف مع الساسة، هو بمعنى ما، كالمختلف مع رجال الدين. هناك مرتدّ وملحد ومباح دمه. وهنا: خائن للوطن، وعميل للاستعمار، والجهات الأجنبية المعادية لتطلعات الأمة. فالعقل هو ذاته مَن يصدر الأحكام، بغض النظر عن زيّه الذي يتزيّا به؟ حتى صار المختلف، منبوذاً، ومحارباً، أينما كان وحيثما حلّ. فالاختلاف، جسم غريب في جسديْ الثقافة والسياسة العربيتيْن. جسم يستدعي الاستنفار والتحريم، ومن ثمّ، التجريم. لأن العرب لا يستسيغون الخروج على الإجماع. والإجماع هو ديدن العرب، كان ولا يزال. أما الواقع والتجربة التاريخية، فلا محل لهما من الإعراب عند الأعراب).
عاليه ينطبق ليس عليّ شخصيا فقط كنشط في مجال حقوق النوبيين، نال من التخوين الكثير والكثير جدا، بل ينطبق على النوبة بكاملها! النوبة المظلومة في مصر إلى حد الاضطهاد، النوبة المضحية لعموم مصر إلى حد يقارب الانتحار. حين ترفع النوبة أنينها مطالبة بحقوقها النوبية، فورا يكون الشعب المصري بحكوماته في حالات وإجابات ثلاثة..
1. أنهم ما بين جاهل وناسي ومتناسي بكل تضحيات النوبة. بل يصل الأمر بالشعب المصري أن يسخر من النوبيين عامة على أنهم مجرد بوابين وطباخين وسفرجية! متناسيا أن هذه الأعمال البسيطة الشريفة كانت وقتها من أفضل الأعمال للآتين من الأرياف، وأن غير النوبيين كان منهم وقتها وحتى الآن جامعي القمامة ونازحين الصرف الصحي والكناسين والشيالين، بل والخادمات وهي أيضا أعمال شريفة، لكن أضيف.. وكان من الساخرين القوادين والعاهرات. ينسوا أعمالهم هذه ويسخرون من أعمال النوبيين المتواضعة بالنسبة للوقت الحالي، وقد تم تركها منذ زمن للساخرين، أي أنهم العاملين بهذه المهن الآن!. لكنهم مصرين على السخرية منا وحتى الآن. يتناسون أن أعمالنا هذه كان السبب فيها أصلا بلاءات خزان أسوان وتعليتيه التي كانت مكسبا لهم هائلا لهم لزيادة حصص المياه وطاقة الكهرباء، وخسارة فادحة لنا معشر النوبيين لإغراقها لأراضينا الزراعية وقد كنا مزارعين. كما كتب الشاعر النوبي محمد عبد الرحيم إدريس عام 1948في ديوانه (ظلال النخيل) قصديته "حول الخزان"..
جلبتَ المنَى وجلبت اليسارا نعم, وجلبتَ البلى والدمارا
وصرت شعار منى الآملـ ين كما صرت للبائسين شعارا
وقسّمت مصر كما تشتهي فصيّرت منها جنانا ونارا !
نثرت يمينا ورود المنى وجمّعت شوك الرزايا يسارا
ولم ترعَ فرط عناء الرجال ولم ترعَ فيض دموع العذارى
بربك كيف انقضى موقف يُذوَبنا إن ألمّ إدّكارا
غداة نحدق في دورنا يُجندلها الماء داراً فدارا
2. أنهم قد قبلوا تضحيات النوبة التي قدمتها كواجبات وطنية مصرية، لكنهم يرفضون أن يعطوا للنوبة حقوقها كمجموعة بشرية نوعية مصرية.
3. أنهم ينظرون من قدم التاريخ إلى النوبة كامتداد ومحجر لهم، وهو ما دوّنه فيلسوفهم الجغرافي الأول د. جمال حمدان في موسوعته (***** مصر). ولا يتم النظر للنوبة نظرة منطقة مصرية لها ما لبقية مصر من حقوق، بالضبط مثلما ينظر الشعب المصري إلى البدو في سيناء أو في غرب البلاد.
4. إنه حين تلح وتترجى النوبة عموم مصر لنيل حقوقها الوطنية، ينقل أغلب الشعب المصري مع حكوماته على النوبة ويتهموها بالخيانة والتبعية للأجنبي. وأن النوبة ثغرة كما كتب كاتب الحكومة الأول جمال الغيطاني في جريدة أخبار الأدب الحكومية. يتهمون النوبة بأنها تسعى للانفصال في أغلب وسائل الإعلام بما فيها من بعض الجرائد المعارضة –ألم نقل أن الشعب المصري نفسه به قطاع عنصري عريض؟!- أي على كل المستويات الحكومية والشعبية تتم أبلسة النوبة!
هذا ما كان وما يكون وما سيكون ضد النوبة من الشعب المصري بأغلبيته الجاحدة. هذا ما كان وما يكون وما سيكون من اضطهاد وعنصرية وتطهير عرقي ضد الشعب النوبي. لن تتوقف فيضانات الإجرام على الشعب النوبي إلا إذا أفاق الشعب النوبي من غفلته واقتناعه الساذج بأن مصر وشعب مصر يحب النوبة والنوبيين ويعتبرهم جزء منه ومن ضمن النسيج الواحد، فكل هذا شعارات نصب وسرقة حقيرة، طالما استمرت الحقوق النوبية ضائعة، طالما هي مجرد شعارات مصطنعة فوقية وتحتها الإجرام على النوبة مستمر. كل هذا الإجرام كان ويكون وسيكون إلا إذا ترك الشعب النوبي سلبيته وتصادم بعنف ضد اتهامات الأبلسة الجاهزة عند الشعب المصري، وتقدم ليجابه القطاع العنصري العريض من الشعب المصري بجحوده للنوبيين ويفضحه بأنه متخم بالعنصرية، متغطرس متعنطز تجاه الوطن النوبي، إلا إذا تصدى -أي الشعب النوبي- وأعلن للشعب المصري أنه شعب عنصري ضد السود والسمر بما فيهم من نوبيين –دعنا الآن من عنصريته الدينية-.
إن أراد الشعب النوبي أن يعيش معتزا بشخصيته النوبية ومصمما على نيل كامل حقوقه كمواطنين من ضمن الشعب المصري في وحدة عضوية ثابتة راسخة، فعليه أن يكافح وينبّه الشعب المصري رغما عن أنفه، أنه أي الشعب المصري، بكامله سوف يخسر الكثير والكثير جدا والكثير جدا جدا، إن استمر في إنكاره لتضحيات النوبة، واستمر في عنصريته واستعماريته. على الشعب النوبي أن يقول للشعب المصري سوف نقوم نحن بأبلستك داخليا وخارجيا ولن ندعك تأبلسنا بعد ذلك أبدا.
الدعة والسلاسة والطيبة، لا تجدي مع شعب أدمن السلب المركزي من أطراف البلاد مثل النوبة والبدو على أنهما من الهامش وشعبيهما من الهاموش. لا يجدي الخوف على المصلحة المصرية العامة –الأمن القومي- من جانب النوبة فقط ومعها بقية الأقليات عِرقية ودينية، في حين أن الأغلبية المتغطرسة تسلبهم حقوقهم بدم بارد وعنجهية مقززة، فشعب مصر أدمن الركوع لكل متسلط أجنبي والانبهار به، وفي نفس الوقت يعوض عجزه بالتعالي على الجنوب وعلى افريقيا السوداء بما فيهم النوبيين المصريين!
علينا معشر النوبيين، أن نسبق ونأبلس القطاع العريض العنصري في مصر حكومة وشعبا، ولا نقع في رعب أبلسته لنا. الوقت الآن وقت عصيب على النوبة والنوبيين، فعملية التطهير العرقي تجري في سرعة، الآن رغم إقرار رئيس الجمهورية بأولوية النوبيين في منطقتهم، فعملية الاستيلاء على الموطن النوبي مستمرة والإصرار على ملئه بفئات من (الجُربات) أي غير النوبيين مستمرة، وآخر المناطق التي يستعد لالتهامها هي منطقة (توماس وعافية) النوبية، فقد قرر الحاكم العسكري لمحافظة أسوان (محافظة النوبة سابقا "سوف نعيد الاسم لاحقا رغم أنف العنصرية المصرية") أن يوطن مستوطنين من الجُربات فيها. كل هذا بعدما تم طرد النوبيين من موطنهم الذي يستعمرونه الآن تحت حجة بناء الخزانات وغرق المنطقة.
إن لم يسبق النوبيين خطوات المسئولين العنصريين ولا يأبهون للنمور العنصرية الإعلامية التي تأبْلِسهم.. فلن تكون نوبة مصرية بعد سنتين على الأكثر. سوف يتم استعمارها استعمارا عنصريا استيطانيا مثلما حدث في فلسطين ومناطق من الأكراد في العراق الخ.
*أديب نوبي
oddoul33@yahoo.com
موقع شفاف الشرق الأوسط. 13 نوفمبر 2006

مصعب قدح 14-11-2006 08:10 PM

هل يوجد كيان نوبي به قيادات فعالة
 
أديبنا النوبي لك التحية و التجلة والتقدير
بما أنك واحد من الأدباء النوبيين وبالتالي واحد من قادة الفكر الثقافي برأيك ماهي ألية توحيد الصف النوبي للأخذ بحقوقه؟
أقصد كيف نقول للكيان النوبي خذوا حقوقكم ولا توجد ألية لذلك ، وهل هناك كيان نوبي جامع به قيادات فعالة.

حجاج حسن أدول 15-11-2006 02:01 AM

مشاركة: هاملت النوبي.. متى يصيح أكون أو لا أكون؟!
 
عزيزي مصعب ربنا (يسهل) لنا عودتنا. أسئلتك ياريت مداخلات ترد عليها. الوجع عام يا صديقي. أحاول الهروب من اجابات طويلة، حاليا كل ليلة في اجتماع وكل ساعة اتصالين تلاتة، الحاكم العسكري ينوي منح موطننا في توماس وعافية للجربات!!! سامحني انشغالاتي تعوقني من الرد الوافي. سلام

مصعب قدح 15-11-2006 02:44 PM

في إنتظار ردك لاحقاً
 
أديبنا أعلم كم الهموم و المشاغل التي تواجهونها و لكن أنا في إنتظار الرد لاحقاً دمتم ذخراً للنوبة .

حجاج حسن أدول 18-11-2006 03:21 PM

مشاركة: صنـــدليـة
 
منذ زمن طُلب مني في منتدى قرية عمارة البيت بيتك، أن أكتب في ركن ما وباستمرار، تهربت بإصرار، الحكاية مش سهلة. من ناحية ضيق الوقت، ومن ناحية أني لا أمتلك غزارة معينة تصلح للمنتديات. وبتوالي أتصال الأصدقاء المسئولين، وافقت، إن كنت وُفقت فالشكر لتشجيعهم، وإن كان الأمر غير هذا فالمسئولية ستقع على أم رأسي. لكن البدايات مشجعة، خاصة أنه كانت في حوزتي مخطوط كتاب. لكن بعد انتهاء مخطوط كتاب الصحوة النوبية وقعت في حيص بيص. بقيت ألوم نفسي على القبول. فالقراء سوف يكتشفون أن دماغي العزيزة خالية إلا من صحفات سرعان ما انتهت. لكن خلال الأسبوع الماضي كنت افكر ما ذا أقدم.. حتى اكتشفت أن حكايات معتوق الخير، بامكانها ان تسد هذا العجز ولو إلا حين. العيب أنني يجب أن أراجع تلك الكتابات لأن بها ما يصلح للكتاب وربما لا يصلح للنشر في موقع، يعني بصريح العبارة.. بعض الجمل التي تدخل في بند الجنس. قلت ربما البعض سيغضبون مني وسيلعنونني وبهذه أجلب اللعنات على مسئولين الموقع. لهذا سوف أراجع ما استطيع مراجعته، وما ينفلت مني فمعذرة.
والى شرح ما أنوي أن أقدمة..

حجاج حسن أدول 18-11-2006 03:23 PM

مشاركة: صنـــدليـة
 
مقدمة للحكايات
رواية (معتوق الخير) تم نشرها عام 2002، في سلسلة إبداعات التفرغ. المجلس الأعلى للثقافة. وزارة الثقافة. والرواية مكونة من مجلدين، مجموع صفحات الرواية 1180 صفحة من القطع الكبير. أخذت مني حوالي 13 سنة كتابة!! لكن للحق.. توقف خلال كتابتها أكثر من مرة ولفترات ما بين طويلة وقصيرة، والسبب أزمات معيشية. فالرواية مكتظة بالشخصيات والتفصيلات، لذا بالضرورة تحتاج إلى ذهن منتبه مركز تركيزا حادا، وإلا تفلت الرواية وتتهدل وتكون فضيحة. المهم.. الرواية وإن كانت تدور أحداثها في قرية نوبية على النيل، ولها صلات جنوبا بحلفا وشمالا بـ (سُوين) وهو النطق النوبي الأصلي لمدينة أسوان، إلا أن الرواية عن المجتمع البشرى عامة حين يتحول من الحياة الأقرب للفطرة، إلى الحياة المعقدة بدخول رأس المال المتراكم. أي هي رصد للإنسان، وإن كنت اخترت المكان الذي أعشقه.. النوبة بنيلها الأسطوري.
لم ينتبه أحد للرواية والأسباب كثيرة، منها طولها، ومعظم النقاد في مصر كسالى، ولا ينشطون إلا للأدباء المشهورين جدا. لم يكتب عنها طوال ثلاث سنوات إلا الناقد الفذ فاروق عبد القادر. وحين أعلنوا عن مسابقة مؤسسة ساويرس لعام 2005، تقدمت وقلت لأصدقائي.. إن كان المحكمون منصفون فسوف أفوز أنا بروايتي معتوق الخير، غير ذلك يكون غير ذلك. ثم كان فوزي غير مفاجئ لي إلا من ناحية نزاهة المحكمين، وكانت مفاجئة للأدباء في مصر لتعودهم أن هذه المسابقات الكبرى تكون دائما للمشهورين ولمن يمتلكون وسائل الضغط. واسمحوا لي أولا أن انقل لكم أسطر قليلة كتبتها اللجنة عن أسباب الفوز..
جائزة مؤسسة ساويرس للأدب المصري
في الرواية والقصة القصيرة 2005

تقرير لجنة الحكام عن رواية معتوق الخير
للأستاذ / حجاج حسن أدول
جائزة أفضل عمل روائي نشر ما بين عام 2002 وعام 2004

رواية من مجلدين في أكثر من ألف صفحة للكاتب النوبي حجاج حسن أدول، صدرت طبعتها الأولى سنة 2002 عن المجلس الأعلى للثقافة، ضمن سلسلة "إبداعات التفرغ" تصور المجتمع النوبي أواخر العهد العثماني، تصويرا دراميا يرصد "جدلية" الثبات والتحول فى هذا المجتمع، على نحو من العمق والشمول لم يتحقق لعمل روائي من قبل.

تشتمل الرواية على تحليل كاشف لصورة الفرد في مرآة القبيلة، وصورة القبيلة في مرآة الفرد، وذلك من خلال القيم والعادات الفاعلة المستقرة في ناحية ومن خلال التمرد الفردي الدائم في ناحية أخرى، بحيث تكون النتيجة أن الأفراد -متضامنين مع المجتمع- يدفعون في نهاية المطاف ضريبة خروجهم على أعراف المجتمع أو إذعانهم لها، كما أن المجتمع يدفع –ضريبة فرد مظلة حمايته على أفراده أو جنوحهم خارج تلك المظلة.

والحبكة القصصية للرواية حبكة "عنقودية" تتألف خيوطها وتتقاطع، مشكلة طرائق يفضى بعضها إلى بعض، ومنتجة شبكة من العلاقات، سداها ولحمتها الأحداث والمواقف الكائنة في الأمكنة والأزمنة، والتي تقوم بالفعل فيها مجموعة هائلة من الشخصيات، التي تتوازى حياتها وتتقاطع في مجرى الرواية على نحو متوازن بديع، ترفدها قوة مؤثرة من عناصر الطبيعة الأم: النهر والجبل، والشمس والقمر والنجوم، والطيور والحيوانات والنباتات والأشجار، والرياح والأمطار، وتقلبات الطقس، ودورة الفصول، محسوبة بمواسم الفيضان، ومواسم الحصاد.

معتوق الخير: رواية ملحمية فيها الإيقاع المتناسق لعناصر اللغة، بين تقرير وتصوير، وعناصر الطبيعة بين رفق وقسوة، وعناصر البشر، بين خير وشرير، وهى خامة عريضة جدا تنتظم بين دفيتها نبض مجتمع محلى، فيه من الحيوية ومن "الواقعية السحرية" مل يجعله رمزا للمجتمع الإنساني بأسره. وهى تحتل مكانا مريحا إلى جانب روايات مرموقة فى الأدب العربي الحديث أمثال ثلاثيتي محفوظ وفتحي غانم، وهى ترقى إلى مستوى الجائزة بكل جداره.
****
الأصدقاء الأعزاء من كان منكم يمتلك الصبر فليتابع معي ولكم جزيل الشكر
ولا تنسوا أن تلك الحكايات مقاطع منفصلة موزعة على الرواية ككل. لكن ممكن قراءتها منفصلة، أو هكذا أعتقد.
وإليكم الحكاية الأولى..

حجاج حسن أدول 18-11-2006 03:25 PM

مشاركة: صنـــدليـة
 
حكايات منفصلة من رواية (معتوق الخير)

حكاية آبدون جوش


جدّه، أحبه ناس القرية وناس القرى المجاورة. الشيخ المبارك الفلاح النشط ذو الكرامات التي لا تُعد ولا تُحصى. منهم وعليهم، ابن القبيلة الشيخ جوش .الزاهد في أي زعامة أو صيت. يغضب إن حاول أحد تقبيل يديه, يثور رافضاً أن يفاخر به ناسه لكونه وهو متربع يشرح لهم أمور الدين أو يصلح في أمور دنياهم.. يتصاعد أشباراً فوق الأرض هادئاً وقوراً. يرفض مقولة أن رزقه الزائد نتيجة ورعه وقربه من الخالق الرزاق فقط. في مواسم البذر والحصاد يكون مع الرجال في الحقول, يشاركهم في بناء بيت لعريس جديد. هو المؤذن والمأذون والمرجع الشرعي والحكيم والقاضي بين ناس القرية والقرى المجاورة. ذهب إلى العديد من قرى النوب يتابع معيشتهم وقضاياهم ونخيلهم وحصادهم معطياً المشورة.زاهداً في الفُتيا الدينية. يقول أن كل قرية بها من يفهم في هذه الأمور ويستطيع أن يسد احتياج الناس منها، وأنه علينا أن نزيد من فهمنا في أمور الدنيا. آية القرآن التي يرددها دائماً .. "وقل اعملوا". مكانته فوق العُمَدْ, إن قال سمعه الكل وإن غضب تأسف له الكل .
وفي موسم السخونة التي ضربت القرى وخنقت الكثير خاصة الأطفال، فقد جوش كل أولاده مثلما فقد كل بيت الكثير من أرواحه .تحمل الشيخ بلوته بصبر المؤمن فأعطاه الله ابنا جديداً، سَمّاه موسى وأفرغ فيه حناناً طاغياً, هو حقيقة نزيف حزن على مصيبة فقد أبنائه, ولا يستطيع أن يعترض على ربه والقَدَر الذي كَتَبَه عليه, ولا يستطيع منع نفسه من الانتفاض رفضاً، لكن استطاع أن يسوسها ويهذبها ويلاطفها فارتخت لا تملك شيئاً ولم تفهم ولم تدرك ما هي الحكمة في فقد كل الأبناء؟ ارتخت فلم يظهر اعتراضها لغير صاحبها الولي ولغير خالقها .
شبّ موسى وصيت والده جوش يغمره .تزوج صغيراً لكن قبل أن يرزق بالذرية، مات والده الولي الزاهد المكلوم. دُفن في الجبّانة مثله مثل غيره تنفيذاً لوصيته ألا يضعوه في مقام وضريح. دفنه ناسه في الجبانة وهم في ضيق.. لماذا لا يكون لهم ضريح يحوي رفات ولي يتبركون به مثلما تتبرك بقية القرى بأضرحتها ورفات أوليائها!
توقّع موسى جوش أن يأخذ مكان والده، لكنه كان شاباً مراهقاً غضاً بالإضافة لحدّة فيه وتشدد في الدين ليغطي ضعفه وخواءه في أمور الدين والدنيا .يعشق الزعامة محباً للمظاهر, فانفض من حوله ناس القرية ولم يزره ناس القرى المجاورة كما كانوا يزورون أباه. ثم ظهر له في قريته شاب أصغر منه عاد من أزهر بر مصر متعلما متفهماً، التف حوله الناس ونصّبوه مأذوناً وإماماً ومرجعاً شرعياً ومعلماً ومدرساً لابنائهم, إنه الشيخ صَلاتو, القصير المتوقد ابن نجع نجيبيّة. أصيب موسى جوش في كبريائه, حاول أن ينقص من مكانة هذا الشاب صَلاتو، تحداه أن يسير على سطح النهر, تحداه أن يرتفع عن سطح الأرض وهو يلقي دروسه كما كان يفعل أبوه جوش الولي .لم يقبل الشيخ الصغير التحدي .قال إن هذا العطاء منحة من الخالق وإلا لفعل ذلك متحديه نفسه, موسى بن جوش! قال ما كان ناس القرية يعلمونه.. إن الولي جوش، لم يكن يحب أن يحكى هو أو غيره عن تجلياته هذه, وكان رحمه الله يؤكد أن المهم هو العمل وسط الناس وفيما ينفع الناس. وليؤكد صَلاتو ما يقول ..تحمّس أكثر وأعطى جهداً أغزر لإنشاء أول كتّاب في القرية.لم يعد راضياً بعدم النظام في تربية الأطفال وعدم تحديد مواعيد معلومة، وعدم تحديد مكان معلوم, فبنى الكتّاب ذا الحوش في أرض يملكها هو، وزرع نخلة الكتّاب التي أطلقوا عليها نخلة صَلاتو .وقال أن الكتّاب يغلق مع بداية موسم الصيف، ليترك الأطفال يعملون مع أسرهم في سرعة جني المحصول قبل أن يغرقه الفيضان، وليعملوا مع أسرهم في أعياد جني البلح, على أن يعودوا مع أفول الصيف بعد موسم الرعي الكثيف مباشرة. تحمس معه ناس القرية معجبين بمنطقه، لم يأبهوا باعتراض موسى على تداخل الدين مع التعليم، تداخل الشيخ مع الخوجة المُعلم، فرحل موسى وزوجته التي رافقته مرغمة، ومعهما طفلهما إلى مدينة سُوِين حيث شلال الشمال الأول. شبّ آبدون هناك. ولما توفى أبوه موسى جوش, لم تتركه أمه ليلة ينام فيها هادئاً، تلح عليه أن يعودا إلى قريتهما.. إلى ناسهما .وآبدون بين رغبة أبيه أن يسري قرار هجر القرية عليه وعلى ذريته، وبين بكاء أمه وأملها أن تموت في قريتها مُعذّب.
حين عاد آبدون شاباً غضاً إلى قريته، لم يكن له دار يأوي إليها ولا أرضاً يزرعها. أبوه موسى جوش في غضبته العارمة على القرية باع الدار والأرض وهاجر هجرة أرادها أبديه حتى على ذريته المتمثلة في وحيده آبدون .بث في قلبه كم ظلمته القرية وهو ابن جوش الولي الكبير، وأن هذا الظلم يقع حتى عليه هو، آبدون! موسى جوش لم يترك إلا قيراطاً يتيماً تتوسطه نخلة جوش الكبير ليتذكروا دوماً حق موسى جوش وولايته، حمل معه في رحيله الإبريق النحاسي الذي كان يتوضأ به والده .إلا أن زوجته بعد موته لم تجد صعوبة شديدة في حض آبدون على العودة سوياً إلى قريتهما حيث ناسهم.
عادا في موسم موت زوجة أُثمان كُورنة الذي قرر الرحيل جنوباً, ويريد أن يطمئن على شقيقته هَكيمة التي بقيت بدون زواج بعد زواج أختها الصغرى الجميلة نَبْرة. أُثمان كُورنة عرَض أخته هَكيمة بوصة على آبدون، يتزوجها ويقيم في الدار التي باعها أبوه موسى جوش لوالد أُثمان قبل رحيله. بالإضافة أن أُثمان سوف يترك آبدون يزرع أرض والده التي بيعت أيضاً لوالد أُثمان! وافق آبدون لاحتياجه لدار تؤويه هو وأمه العجوز بدلاً من المبيت عند الأقارب. رضى آبدون بهذه الصفقة، فكما أن أُثمان يريد الاطمئنان على شقيقته، فآبدون أيضاً يريد الاطمئنان على أمه التي تتمنى أن تعيش في نفس البيت الذي تزوجت وأنجبته فيه. وما شجّع آبدون أكثر على قبول عرض أُثمان، سماحة هَكيمة بوصة رغم هزالها الغريب, وهَكيمة قلبها استراح لآبدون السّلس ولأمه السعيدة بعودتها إلى قريتها ودارها، السعيدة بناسها وقبيلتها والتي تقبّل كل من يسلم عليها، كل من يقابلها شوقاً وحباً .ثم ماتت قبل مولد أولوا، ماتت راضية بأن حياتها انتهت في قريتها وبين ناسها .فكان رضاؤها إضافة رضاء من ابنها آبدون على زوجته البوصة.
آبدون محب للتأنق في ملبسه وفي حديثه .وأحب ما تحبه فيه هَكيمة هو وَنَسَته معها. مهما كان مرهقاً، مهما كان مهموماً، فقبل أن يناما لا يفوته الكلام الحلو معها. يغازلها حتى أيام كانت بوصة. يراقب ملبسها وينصحها ويبدي إعجابه .قبل أن يجامعها يجعلها في حالة صفاء واستعداد له، فتتناسى اختفاء تضاريس الأنثى من عود بوصها، بل إنه يهيئ نفسه لينسى ذلك .لكن لا هو ينسى ولا تنسى هي واقع هزال الجسد العظمي. يحكى لها عن سُوِين، عن الزراعة وأحوال البلد من وجهة نظره، ويأخذ رأيها. آبدون هو الرجل الكامل بالنسبة لها, الحكّاء اللذيذ .
وآبدون رغم سماحة وجهه وطيبته وتوازنه وتعاونه مع ناس قريته، لم يسلم من بذرة الحسرة التي زرعها في قلبه أبوه موسى جوش .لم يلاحظ أحد من ناس القرية هذه البذرة المرّة وهي تنمو داخله رغماً عنه. زوجته فقط هي من احسّت بها, أدركتها وهي تنمو شجرة حنظل كادت أن تمرّر حياة آبدون وتلوث طيبة قلبه وحبه للناس .في أمسيات الوَنَسة مع هَكيمة، لسانه طيب زلق, يمتّعها ويمتّع نفسه في الحكى والتودد، لكن.. كلما أخذه الحديث إلى أبيه، تعثّر سلسال حَكْيه النهري وكأن جندلاً جلمودياً فظاً يوقف تدفقه، فيحيد عن الموضوع ويتفرع إلى حديث آخر. لم تعلم هَكيمة، لكنها أحست أن سيرة أبيه تؤلمه. لم يجرؤ آبدون على كشف بذرة مرارته لها إلا بعد عمر طويل صارت فيه هَكيمة سكناً له، سكناً لنفسه المُتعبة, وبعدما كانت هَكيمة نفسها قد وَعت أن أباه هو الزارع للبذرة المرّة التي تعذِب زوجها، فكانت تدفعه للوضوء بإبريق جده النحاسي ويصلي لله طالباً منه العفو واللطف والرحمة بأبيه الذي مات حزيناً ممروراً.
يتبع

حجاج حسن أدول 18-11-2006 03:26 PM

مشاركة: صنـــدليـة
 
أبوه موسى جوش حكى له كثيراً وهو طفل عن حقّه المزعوم في ولاية وقيادة القرية والقرى المجاورة, حكى له كيف تنّكرت القرية له ولأبيه جوش الكبير، فتركته هو وأعطت حقه للشاب القصير الفقير صَلاتو الذي هو مؤهل ليكون مجرد خوجة وليس وليّا. ذات ليلة وهو يحكى ..بكى, فتوقف بعد ذلك عن الحكى حتى مات هضيم القلب متكدراً.
ولأن آبدون يكره الشّر, ويأبى أن يكون عامل هدم بين الناس, صارع مرارته ليمنعها من دفعه للحقد على ناسه, نجح في ذلك .لكن شجرة الحنظل داخله تنكرت في أشكال أخرى داخل تلافيف نفسه وبرزت بدون أن يدري وأعطت ثمرها المر .دفعته ليؤكد حقه وحق أبيه في التربع على قمة القبيلة، قمة القرية والقرى, لكن بأسلوب مراوغ. ودخل الخير إلى بيته مع دخول الطفل اللقيط معتوق الخير، رغم إنكاره أن الخير جاء مع معتوق, يدعي أن الخير نتاج عمله فقط، لم يعترف بذلك إلا بعد مرض الموت الذي ألم به, فحادث هَكيمة في شجن عن أيام الخير والفتوة والزرع النضيد. تقوَى آبدون بالخير الهابط عليه وعلى بيته وصار يساعد ويدخل في مشاكل القبيلة بثقل, صار يستعرض ملبسه ومأكله وبهائمه بأسلوب ظاهره بسيط متواضع. لكن داخله يقصد أن يقول ..
-شاهدوا مكانتي يا ناس وأنا حفيد جوش الكبير وابن موسى الذي أنكرتم عليه مكانته .
ضغط على ابنه أولوا ليصير عالماً متعلماً ويأخذ المشيخة والسؤدد من بلال حفيد صَلاتو ومن سِسِّي ابن العمدة, يطلب منه الوضوء بإبريق جده النحاسي بعد أن يملأه بنفسه بماء الزير الرطب. ضغط على ابنه بكل قسوة. الخطأ الذي فعله أبوه معه ومرّر به حياته, كرره هو مع ابنه أولوا بطريقة مغايرة في مظهرها, لكنها هي هي في مخبرها .فساعد على هدم حياة ابنه الوحيد.انكسر أولوا عليل الجسم والنفس.لم يستطع أولوا بنفسه المنكسرة أن يتحمل وقاراً ومهابة يفرضهما عليه أبوه. ولم يستطع ببنيانه الهزيل جسداً ونفساً أن يصارع الأقوياء, ولم تسعفه عقليته المتواضعة .
آبدون بانكسار ابنه وإقبال الفقر عليه، وبفهمه أخيراً أن شجرة الحنظل داخله ضحكت عليه وسخرت منه ودفعته لهجرة القرية للبقاء في سُوِين وحده, نفس ما فعله أبوه، حاول تعويض ما فاته وعاد ليساند ابنه الذي ضربه عار الشذوذ الجنسي ويساند الجانب الخيّر في القرية, لكن العمر وصل لنهاياته وبدأ في الانهيار. هَكيمة وأولوا سامحاه, لكنه لم يسامح نفسه. وبذلك تكون شجرة الحنظل قد احتلته وقضت عليه بمرارتها، فسقط هضيم القلب ومات متكدراً مثلما مات أبوه وقبلما يرى معجزة الله في ابنه.. حفيد الولي جوش الكبير.
انتهت تلك الحكاية

حجاج حسن أدول 22-11-2006 03:06 AM

حكاية هاشم الكيد
 
من مواسم عدّة مضت، بعد عودة أُثمان كُورنة مباشرة من هجرته الجنوبية. الكيد في حديقته يرقب أشجار البرتقال والليمون، ثم جلس في الخص البسيط الذي يشرف على الحديقة من ناحية النهر. استرعى انتباهه وقع حوافر دواب مسرعة تقترب منه وصوت أُثمان يناديه. توقفت الركائب أمامه. وبقفزة سريعة من على ظهر الحمار كان واقفاً أمامه. ذهل هاشم. سقط منه نبّوته وارتمى في حضن ابنه العائد. يضرب على ظهره ويدفن وجهه في عنق ابنه الذي صار يماثله طولاً وعرضاً..
-سلامة. سلامة. ولدي سلامة.
أبعده عنه وهو يمسك بذراعيه القويتين. يتمعن في الوجه الأبيض المتشرّب بالحُمرة النحاسية. صورة منه. تماماً هاشم منذ سنوات بعيدة, عدا تأثير الشمس القاسية التي فرشت غلالة خفيفة من السّمار على الوجه الصبوح. لا يسمع تهنئات من حوله بسلامة وصول سلامة.
-سلامة. حمد الله على السلامة يا بني.
-أوحشتني با.
-سنين بعيد عني . لكن..
أخذه في أحضانه . لاحظ سلامة أن أباه لم يعد الرجل المرعب القاسي، لم يعد هاشم الكيد حقاً. رقّ وشفّ حتى أنه يكاد يبكي. يمسك دموعه بصعوبة. سمعوا صوت بجيوة وهي تأتي من بين أشجار الموالح مهرولة تنادي..
-سلامة..سلامة.
صبية سوداء جميلة سمينة، شعرها الناعم ضفيرتان تتواثبان مرحاً على ظهرها وثديان برتقالتان يرتعشان فرحاً على صدرها. قذفت بجسدها الثقيل على سلامة فلم يرتج عود سلامة الصلب وهو يتلقي أخته في أحضانه. بجيوة تعلقت بعنق أخيها الطويل، لا تريد أن تتركه، والناس حولهما يبتسمون فرحاً، أفاقوا على صرخة هاشم الكيد..
-بجيوة . بنت! كفى.
ابتعدت عن أخيها الذي ابتسم . أبوه هاشم الكيد لم يتغير كثيراً، حتى حضن ابنته لأخيها غير مقبول عنده.
-اذهبي واعدي القدور . سأذبح الذبائح كرامة وصول سلامة . بسرعة يا بنت .
ابتعدت بجيوة وهي تتلفت لتتملى من أخيها الوسيم. هاشم يتقبل التهاني بوجه جامد بعد أن أفاق من المفاجأة. نظر لابنه نظرته القديمة..
-احضر ركوبتي من الخص.
-حاضر با.
أسرع سلامة. أُثمان مال على صديقه الصعيدي لائماً..
-يا رجل، ابنك عاد إليك رجلاً لا يقل عنك رجولة، لا تعامله هكذا،مواسم طويلة لم تره.
-أُثمان، ابني لو سَقَطت كل أسنانه وأبيض شعره كله وجلس حوله أحفاده،هو ابني، آمره فيلبي، فوراً، هكذا نحن.. لا نعرف الدلع الماسخ مثلكم، ولا تذيبنا النعومة التي تبللكم فتصير رجالكم كما النساء ونساءكم كما الأرانب الوليدة.
أُثمان يضحك ويضرب كفاً بكف والصعيدي غلالة حزن مرت على وجهه, ثم تلتها بوادر غضب..
-ثم لا تنس أنه هرب مني.. وبدون إذني، هل أضحك له وأهش وأبش؟ كان واجب عليّ أن أقابله بضربة نبّوت تكسر له رأسه ليتأدب ويعلم مكانة الأب.
-هاها، الله يخرب بيت الصعايدة.
-لكن.. لا أعلم كيف نسيت هذا وأخذته في أحضاني! قريتكم هذه تقلل من رجولة الرجال.
-هاها.
-طبعكم وعاداتكم.. شئ مخجل.
زاد أُثمان من ضحكه حتى كاد الصعيدي أن يترك بدايات غضبه ويضحك مع صديقه ضئيل الجسم الذي راح يلعنه ويلعن ناسه الصعايدة وهو يضرب بقبضته الضعيفة على كتف هاشم الكيد في حب. هاشم أخفى ابتسامته مازالت عالقة في شفتيه حتى لا يراها ابنه الذي يقترب بالركوبة. حاول سلامة مساعده أبيه على امتطاء دابته . فابعد هاشم يد ابنه في خشونة وصعد وحده ثم نظر إليه وأشار إلى نبّوته. أحضره له ابنه. وهو يلكز حمارته مبتعداً..
-معك متاع؟
-على المرسَى.
-اذهب وأحضره .ثم الحق بي في الدار.
ابتعد عنهما. أُثمان وضع يده على كتف سلامة العالي ضاحكاً وهو يتابع ابتعاد حمار الكيد..
-أبوك, هذا الكيد الذي لا يلين. لك حق تهرب منه وأنت صغير . لو كنت مكانك لهربت منه من قبل أن أولد.. لكن لماذا يا سلامة عدت إليه؟ لو كنت مكانك لما عدت إليه! لكنك أبله مثل أبيك الكيد.
-هاها . أنت أقرب أصدقائه.
-قضاء وقدر. أنا حمار وأبوك جحش. لذلك نحب بعضنا .هاها.
احتضن سلامة جسد أُثمان في شوق. ثم تركه ليمسح دموعه. فأخذ أُثمان يمسح دموعه هو الآخر ويقول..
-الله يخرب بيتكم . صعايدة نكد . اسمع.. اذهب أنت إليه بركوبتي وسأرسل صبياً بمتاعك إلى البيت.
- لا يا عم أُثمان ،أمرني با ، وإن لم أنفذ كلامه بالحرف، أنت تعرف!
يتبع

حجاج حسن أدول 22-11-2006 03:08 AM

تابع حكاية هاشم الكيد
 
لم ينتظر ناس القرية حلول المساء لحضور وليمة حفل الكرامة لتهنئة هاشم الكيد .تقاطروا على الدار.
وبعد صلاة العشاء امتلأت دار الصعيدي تماماً .رجال نساء أطفال. الكل يهنيء الكيد سعداء بسعادته .النساء يزغردن وهن مقبلات حاملات أزواجاً من الحمام والدجاج .بعضهن يحمل أقماع السكر .العجوز خيشة أتت على حمارتها ومعها مصطفى وبخيتة وزمبيل مملوء بما تشارك به في الكرامة .لم تترك سلامة من حضنها بالساهل. .يناجيها..
-خيشة. .خيشة. .أمي.
ثم بدأ الإنشاد الديني، وبدأت أسراب من نساء نجعي نجيبيّة والمنحنى في العودة إلى دورهن بالأطفال. ويدخل الليل العميق لتهدأ الجموع وتتفرق كلها سعيدة إلى بيوتها بسعادة هاشم الكيد الذي أصبح منهم وعليهم. ويعتبرونه من أعمدة قريتهم ومن أهم رجالها.
خلت الدار الواسعة إلا من الأب وابنه العائد .في غرفة الديواني جالسون . بجيوة الممتلئة بالحيوية مع خيشة وعدد قليل من النساء يرفعن وينظفن بقايا فوضى الوليمة .تنسحب بقية النساء مرسلات الأغاريد الأخيرة في الحفل .خيشة تعود إلى غرفة الديواني .تبارك لهاشم وتقبّل سلامة .تعتذر بأنها عجوز هدّها التعب ويجب أن تنام .تذهب للغرفة التي أرقدت فيها مصطفى وبِهيتة لتنام معهما .أتت بجيوة إلى أبيها تحمل بيد الشيشة ذات الإناء المعدني والبوصة الممتدة, وباليد الأخرى كيس ملئ بالدخان، ثم تأتي بمجمرة كبيرة بها كمية من قوالح الذرة تحوّلت إلى جمرات نار صهباء والنار الخفيفة تتراقص منبعثة منها . أبوها على كنبة وسلامة على كنبة مجاورة له. حتى الآن لم تأت سلامة الجرأة ليجلس بجوار أبيه. جَلَسَتْ بجيوة بجوار أخيها ممسكة بذراعه تبتسم له، رغم إرهاقها تتعشم في السهر معهما .لكن أباها نظر إليها غاضباً فقامت وتركتهما..
-تصبحان على خير.
ذهبت لتنام .سلامة ما زال يهاب أباه .نظر إليه أبوه عابساً..
-ولد .اهبط نجلس على الأرض.
هبطا واستقرا جالسين على الحصير .الأب يعد الجوزة وبدأ يزفر الدخان الكثيف .سأل ابنه..
-لماذا هربت؟
-..
-لماذا هربت؟
-كنت طفلاً.
-همم.
-..
-ستبقى؟
-..
-أجب يا ولد؟ ستبقى معي؟
-با .عندي ولدان وأمهما هناك.
كأنه مشغول بتغيير القوالح المشتعلة لكنه يداري عواصف هبّت في جوفه. عواصف متباينة متعارضة. فرح بالحفيدين اللذين لم يرهما .سعيد بأنهما أولاد ذكور وليسا إناثاً .لكنه غاضب من زواج ابنه الوحيد بدون أن يستشيره وبدون أن يحضر عُرسه ليطلق الأعيرة النارية ابتهاجاً ويلتف حوله ناس القرية يهنئون .غاضب أن ابنه لن يقيم معه .سيتركه كما هو, فرداً ليس له عزوة .
-با .أرضي هناك .أخوال أولادي عائلة قوية.
-..
-با .سامحني با.
-إذن كُتب على أن أعيش وحيداً حتى الموت.
-وبجيوة؟
-بنت!
-تعال معي أنت وبجيوة.
-..
-لا تغضب با.
-شبعت غربة يا سلامة .بنيت نفسي وشيدت مكانتي في هذه القرية .عمّرت أرضاً بوراً وتزوجت هنا. وسأدفن هنا .في الجبانة التي أخذت أمك .أنا لا أذهب حيث ابني .ابني يأتي إليّ هنا .
-وأولادي؟!
-ائت بهم . حديقتي وثمارها ونخلي يكفينا كلنا. ثم بوجودك أستطيع أن استصلح أرضاً شاسعة.
-لا أستطيع.. زوجتي .أخوال أولادي.. أرضي.. عزوتي أصبحت هناك.
-آه.
يُدخّن.. يُدخّن. رأس سلامة محنية يراقب خطوط الحصير الملوّنة الذي يجلسان عليه. رفع رأسه..
-با .لا يا با .هاشم الصعيدي لا يبكي .الكيد لا يبكي با .لا تحمِّلني وزر دموعك.
لم يجبه هاشم .توقفت دموعه .يدخن ويعمّر قُمع الطين المحروق بالدخان المخلوط بالبانجو ويثبّت بالملقاط المعدني الجمرات .يسحب الدخان فتتوهج الجمرات وينفلت الدخان الأزرق الكثيف من رأس الجوزة ومن فم الكيد .تنتشر رائحة النبات المخدّر حوله .هدأت أعصابه قليلاً واسترخت .ترك الجوزة .قام سلامة وحمل كل شئ بعيداً ثم عاد للجلوس صاغراً على بعد خطوات من أبيه .صمت متوتر.
-سلامة. .لماذا لا تقترب مني؟
يقترب سلامة وقد وصله دفء قلب أبيه.
-سألتني مرّة وأنت صبي عن أصلنا وعن حكايتي .لم أجبك فألححت عليّ السؤال.
-غضبت مني ونلت منك كفاً كدت أفقد بها السمع.
-الآن سأقول لك ما لا يقال .ما لم يسمعه أحد مني أبداً حتى أمك رحمها الله, لم تعرف إلا القليل من جحيمي.
يتبع

حجاج حسن أدول 22-11-2006 03:09 AM

تابع حكاية هاشم الكيد
 
زمان. .منذ سنين وسنين طويلة .كنت أشبهك تماماً .أصغر منك الآن بسنوات كثيرة .كنت مغروراً بقوتي وعزوتي وعائلتي وسطوة والدي والأطيان التي تملكها أسرتي .أفسح لي أبي الطريق لأكون شيئاً .لأكون فيما بعد كبير العائلة بفروعها التي تسيطر على القرية .فأنا ابنه الوحيد وسط ست بنات .ست بنات .بنات ستة .لن تفهم. لن تفهم يا سلامة رعب بنات ستة والضيق منهن وحسرة الأب لأنهن بحضورهن بنات حرمنه من ستة ذكور. جهنم عندنا في الصعيد لها باب وشباك .الباب هو الثأر .وكله دماء تنفجر بضربات السواطير والسكاكين والنبابيت والطخ بالبارود. أما الشبّاك فهو عار الحريم .والدماء أيضاً تصاحبه. نحن قلب الصعيد. إن أخطأت حُرمة أو حتى التصق بها شبهة الخطأ، فالأمر بسيط ومفجع معاً. كسر الرقبة. الذبح. الخنق. الاستغناء عنها كما نستغني عن دجاجة. الخشونة والشدة والرعب من العار والقيل والقال شرعنا. مجتمع عنيف حاد. الصراع الشرس يكاد أن يكون أساسه. من لا يحمل النبوت المصفح بقطع الحديد وأسلاك النحاس مثل نبّوتي هذا، فهو حُرمة أو طفل لم يبلغ الحلم بعد .كنت أحمل نبوتي هذا الثقيل على وعد بأن أحمل البندقية بعد زواجي مباشرة.
مأساتي تسللت من الشَباك .من عار الحريم .ونحن لسان حالنا. .النار ولا العار .فالنار تحرقنا أهون من عار يركبنا ويذلنا ويحرقنا أيضاً .فإن لطخك العار، تموت أنت ويموت أولادك من بعدك ويبقى العار ملتصقاً بأحفاد أحفادك .يذلهم ويحني رقابهم وسط الناس .فالعار أطول من العمر يا ولدي. .وأبقَى.
آه، ابتلاني الله بالعار .ومن يبتليه الله بالعار، يجب أن يغسله بالدم .يغسل عار العائلة كلها .يحاول إنقاذ حاضرها ومستقبلها لكنه لا يفلح تمام الفلاح .عار الحريم صبغة ذل ثقيلة كريهة لا تُمحى .القتل، إسالة الدم يُبهت تلك الصبغة المذلّة .يبهتها قليلاً فقط.
آه, ابتلاني الله بالعار .بعار الحريم .لن تفهم .لن تفهم .هنا حيث كانت تربيتك، الأولاد والبنات يلعبون سوياً .بل يسبحون في النيل عرايا .يدخلون الزراعات العالية سوياً .كأنهم لا يلاحظون أصلاً أنهم جنسان، ذكور وإناث! كانوا كذلك أيام كنت أنت صغيراً يا سلامة .عجب والله حال ناس هذه القرية التي أحببتها وأحبتني. النساء مكشوفات الوجه .إن صادفت إحداهن رجلاً في الطريق يتحدثان .بل ربما تحادثه هي قبل أن يحادثها هو! يسيران سوياً .يقولون ما دام الحديث والسير في العلن فلا نخشى العيب! تجد الرجل منهم يدخل أي دار وهو يصفق وينادي سَيّدة الدار باسمها المجرد. .يا فلانة هووي. .يا علانة هووي .كأنه أخوها وهو ليس أخوها ولا يحزنون! سالمة. .ديوانة. .تَعويضة. .هانُم. .جوليه .هكذا ولا يقولون يا أم فلان حتى! وداخل البيت في الحوش يجلس على البرش تحت السقيفة .يدخل الزوج يجده جالساً فيجلس بجواره يأكلان الفشار والبلح وتجلس الزوجة معهما أحياناً. .يا بووي .كنت أكاد أجن من هذه التصرفات المخجلة .يقولون مادام الباب مفتوحاً فلا بأس! .عجيبة هؤلاء الناس. .دنياهم غير دنيانا .زوجتي.. أمك .جوليه .مهما كنت أضربها وأجعلها تزحف من الألم.. لا فائدة .تسير على منوالهم .سكتُّ على مضض وقلّة راحة. لكن منعتها من الرقص في الأفراح والرقص في المآتم .منعتها من مخالطة أي رجل في أي مكان .والرجال. .تعودوا ألا يدخلون بيتي طالما أنا خارجه .وحتى وأنا داخل البيت .لا لزوم بأن تحضر جوليه طبق الفشار والبلح .تنادي عليّ أنا، وأنا أذهب وأتناول منها الطبق وآتي به للضيف.
يتبع

حجاج حسن أدول 22-11-2006 03:10 AM

تابع حكاية هاشم الكيد
 
ثلاث من أخوتي البنات تزوجن .وكانت بَهيّة الرابعة .طفلة جميلة تصغرني بعام واحد .أجملهن .ناصعة البياض. ريّانة الجسد. جسدها نما مسرعاً. لا أعلم لماذا! ربما لكي يقع ما وقع مني ومنها .بَهيّة كانت عيناها واسعتين عسليتين .شعرها أقرب للصفرة الذهبية ناعم كالحرير .آه يا سلامة .عَمّتك هذه من صغرها تضحك .تضحك وبصوت عالٍ وتلقي بالقفشات وتجبر أمي الوقورة على الضحك . بنت ضَحوك . تضحك وبصوت عالٍ! بل أن أبي الصارم الذي لا يبتسم، يضحك معها هي.. مع بَهيّة! كانت جريئة .من صغرها تعارضني أنا أخوها الوحيد .أمي نفسها لم تكن تعارضني بمجرد أن اشتد عودي وصرت صبياً، فأنا الرجل الثاني عندهم في الأهمية. أنا الصبي الصغير كانت مكانتي في الأسرة قبل أمي .أهميتي أنا قبل أمي .فأنا رجل وهي مجرد حُرمة .فتأتي تلك الفتاة التي تصغرني بعام كامل، وتركب رأسها مثل الرجال وتعارضني! أضربها فتعضني وتخمش وجهي بأظافرها وتصرخ صراخاً عالياً، ليس عن ضعف، بل عن شراسة .ولمّا كبرنا وصرت في الرابعة عشرة، استمرت في عنادها وجرأتها عليّ .أحياناً كانت كفوف أبي تدمي وجهها إحقاقاً لحقي كرجل. بَهيّة كانت لابن عم لنا . أبوه ابن عم أبي. ينافسني في زعامة الشباب ويتطلع ومعه أبوه أن ينال الزعامة يوماً .لم أكن ارتاح لابن عمي هذا الذي يكبرني بمجرد سنتين. يخشى على مكانته مني .هو قوي لكنه يعلم أنني سأكون الأقوى. غني ويعلم أنني الأغنى. أكبر مني ويعلم أنني سأتجاوز فارق العمر وأكون السَيّد للعائلة والسَيّد في القرية كله.
يوماً دار همس أن شاباً يلاحق بَهيّة وهي به سعيدة. ولم يستطع والدي أن يحدّد أبعاد هذا الهمس السام. آه.. ولمّا قَرُبَ موعد زفاف بَهيّة وفي جلسة عائلية، أعلن عمي أنه غير مستعد حالياً لإتمام الزواج. صدمة. قالها علناً في المجلس. إنه تلميح واضح للإشاعة التي فاحت من ليلتها. جُرِحنا .شبّ نزاع كاد يتطور لانقسام العائلة الجبارة .لو تخلى ابن عمي عن خطبة أختي، لاشتعل القيل والقال أكثر وثَبَتَ على بَهيّة العيب واكتوينا بالعار حتى لو لم يكن هناك دليل .عار يقع علينا بلا دليل وبدون أن يواجهنا أحد ويقول هذا حصل. نحن لا نصدق .ندافع .بَهيّة أصلاً لا تترك البيت إلا نادراً، إن خرجت فمعها أمها.
وفي يوم تعس. يوم ملعون .كان يوم السوق .كنّا في المقهى، مجموعة شباب اتخذنا مجلساً منفرداً نشرب الشاي والجوزة .نتحاور والسوق كاد أن ينفض مع قرب أفول النهار .أتى خطيب بَهيّة .نبوته في يده وعلى وجهه ابتسامة صفراء .ابن عمي حَشر جسده بيني وبين قريب لنا آخر فأفسحنا له .همس في أذني بصوت خفيض لكن بإمكان من كان بجواره أن يسمعه..
-المحروسة مع المحروس.
كنَا قبل المغرب مباشرة .سرت هرولة حتى لا أجري وألفت الأنظار .مقصدي حقولنا .ابحث هنا وهناك .في نهاية مدق يفصل بين حقليّ قصب شاهدتهما .أعرف بَهيّة رغم أن ملابس البنات تغطيهن تماماً .كانت كفّها في كفّه .ثم اتجهت ناحية بيتنا وانحرفتْ إلى مدق فرعي .لمحني الجبان وأنا اقترب مسرعاً فاختفى في حقل القصب .لم أعثر عليه .أسرعت إلى بيتنا .ما همس به ابن عمي في أذني. .المحروسة مع المحروس .نار تشتعل أكثر وأكثر في صدري .كانا على حافة حقل القصب .ترى هل كانا داخل القصب؟ وماذا فعلا؟ هل ستتكور بطنها نتيجة لهذا وتصب على رأسنا العار؟ بَهيّة. .بَهيّة.
فُتح لي الباب .وبَهيّة من فتحته لي! غاصت ابتسامتها لي لما رأت الشر في وجهي. دفعتها فتقهقرت فزعة .فتحت فمها رعباً ودهشة وهي ترى نبّوتي يثب ويُصَفّر ساقطاً ليرتطم برأسها .صوت انكسار الجمجمة. سَقَطَتْ جالسة ثم ارتمت على ظهرها تنتفض .مخها انفجر واختلطت شظاياه بحمرة الدم .بشعرها العارِي المُصْفِرْ ودمها لوّث كل شئ. .كل شئ .عيناها أكثر اتساعاً مما هي عليه .تنظران إلى السقف نظرة جامدة .ولْوَلَتْ أمي وأخوتي .أتى أبي. .مزق جلبابه بجذبة واحدة وهو يصرخ ثم قرفص قاعداً في وجوم.
قبل أن يمر شهر واحد هربتُ من القرية .لا تظن أني هربت من حاكم الصعيد، لا .فالدفن كان سراً كالعادة والحاكم لا يهمه إلا ضرائبه فقط. الفجيعة سكنت دارنا .أبي ضربه الحزن رغم أنه من صغري جرّعني قانون القرية .قانوننا .هو من أرضعني أن النار ولا العار .أبي .من جرّعني أن العار أطول من العمر .من كان يفرح كلما رأى ابنه يزداد قسوة وحزماً .ظلمتني يا بوي .يتحاشى الحديث معي .طوال الليل لا ينام .يسير بين الحجرات .وقع خطواته خفيف .أحسست به لأنني أيضاً لم أعد أنام .بَهيّة تأتيني كل ليلة محطمة الرأس وصوت انكسار الجمجمة يتوالى فيحطم أعصابي .أما أمي التي رقدت تماماً وأخوتي، فقد مزقتني نظراتهن. اشمئزازهن مني وصل حتى أن أمي تقيأت سائل معدتها الفارغة لمجرد أنني حاولت أن احتضنها! لم يتوقف لسان أمي عن ترديد حسبنا الله ونعم الوكيل .بَهيّة بريئة يا أباه .بريئة يا أباه .لا تريد أن تناديه كما كانت تناديه سابقاً يا أبا هاشم .لا تريد أن تضع اسمي على لسانها وأنا وحيدها على ست بنات والذي كانت تفخر به وتستكين لأوامره.
طفشت وأنا لا أملك إلا نبّوتي .قذفته في الماء وأنا مبحر جنوباً في النيل .أدخل قرية، لا أبقى فيها أكثر من أيام أو شهور .أتركها وابتعد .وكلما توغلت جنوباً كلما تملكتني الغُربة وآلامها والفزع منها .الغربة لنا مهينة يا بني .فكل منّا لا يكون إلا بناسه .بأهله .بعزوته .بأرضه .وهكذا .حتى وصلت الجندل الأول عند أسوان .بقيت هناك سنة .عملت مع مزارع أسمر هو خليط من النوب وصعايدة أسوان .طيب .أحبني .أحب صمتي وحزني وعملي المتواصل لا أكل ولا أمل .أشفق عليّ من صغر سني وثقل همّي الذي لم أبح به رغم محاولاته أن أحكي له مراراً وتكراراً .صعب عليه حالي وأنا خلال خلوتي سواء في العمل أو في الراحة .أو حتى قبل أن أنام في غرفتي المتطرفة، ليس لي من أنيس إلا موال شهير في قرانا الصعيدية، ليس موالاً للحب والغرام .هو عديد تنوح به نساءونا على من يذهب منّا غريباً في بلاد الله .أنشد الموال المناحة بقلب واجف وصوت مرتعش..
ده قبر مين اللي البقر هدّه؟
قبر الغريب اللي تَرَك أرضه!
ده قبر مين اللي البقر داسه؟
قبر الغريب اللي هَجَر ناسه!

حجاج حسن أدول 22-11-2006 03:11 AM

تابع حكاية هاشم الكيد
 
آه .هكذا يكون الغريب منّا خارج أرضه .يعيش ويموت ويُدفن بلا قيمة بعيداً عن أرضه وناسه .عشيرته عزوته .لذلك فإن قبره يهده ويدوسه البهائم. يستهين به حتى البقر.
عَرَض عليّ المزارع الطيب الزواج من ابنته. وافقـت .وقبل الدخلة زارتني بَهيّة ضاحكة ودماغها مفلوق ومخها متجملط بشعرها الغارق في الدماء .ضحكت لي ساخرة .هربت من الكوابيس وتركت أسوان .صعدت إلى القرى النوبية .قرية بعدها قرية .لم اترك قرية على الضفتين .أبني مع البنائين .أحفر آبارهم .أزرع أراضيهم .يعجبون بقوتي وانكبابي على العمل .يتمنون بقائي .لكن، كيف وبَهيّة لا تتركني في حالي .أهرب جنوباً إلى قرية أخرى جديدة .حتى جئت هنا .عملت في أرض أم خيشة .كان موسم تأبير النخيل .وأنا لا أصعد النخيل .لا أستريح مع الأماكن العالية .صعدت نخلة لأتعلم صعود النخل لا أدري، لأتغلب على خوفي من العلالي لا أدري. لكي أسقط وأموت وأستريح لا أدري .سقطت من أول نخلة وكُسرت ساقي .ليتها كانت رقبتي الغليظة التي تكسرت واسترحت وأرحت .حملوني وجاءوا لي بيونس المجبراتي , كان شاباً يانعاً يتعلم من هَمَرين .صنع لي جبيرة .رفضت أن يأخذوني إلى بيت أحدهم .فأنا هاشم الصعيدي .كيف أقبل أن أسكن بيت ناس أنا غريب عنهم والبيت به حريم! فأنا قاتل أختي لأنني ظننت أنها هي التي كانت عند حافة غابة القصب! كفّها كان في كف شاب غريب! بقيت في الخص الذي بنيته .أخدم نفسي وأتحرك رغم تحذيرات يونس .ثلاثة شهور .مقيم وحدي .كانت فرصة أواجه فيها نفسي .كنت أقاسي وأنا أواجه نفسي بقسوة .قتلت أجمل عماتك يا سلامة. لماذا؟ سألني عقلي مراراً وتكراراً .هل لمقولة ابن عمي؟ لكنه منافسي ويغار مني ويريد تحطيمي .هل لأن شاباً صافح من أظنها أختي في مكان شبه مخفي؟ ولأنه هرب يكون مذنباً وصنع شيئاً بأختي؟ أقول.. إنه هرب لأنه يعلم تهور هاشم وقسوته .من العقل أن يهرب .يهرب من هاشم المفتري .فعلاً يا بني كنت صبياً مفترياً .وربما مازلت .لم أصل لإجابة .هل كنت مخطئاً؟ وإن كنت، كيف أكفّر عما اقترفته يداي؟ وأبي.. هل سيصفو لي من قلبه؟ وأمي التي تفرغ معدتها الفارغة حين أقترب منها؟ وأخوتي واحتقارهن لي .لا .لن أعود .وجودي بينهم خطأ .يزيد حرقتهم من مقتل بَهيّة .بَهيّة القتيلة .بَهيّة الجميلة .إذن إلى أين الهرب؟ إلى أين؟ وإلى متى؟ أتصاعد جنوباً؟ أين أفلت من شبح بَهيّة وهي تسكن كبدي وضميري؟ قررت البقاء. خاصة أن ناس القرية كانوا يأتون لي بالطعام والشراب ويحاولون حتى غسل ملابسي وإعطائي ملابس جديدة .رفضت طبعاً .أخذت النساء والبنات وحتى الصغيرات منهن والعجائز، أخذن يتحاشينني لغلظتي وتكشيرتي التي لا تذوب .كنت أسير وقدمي مازالت تؤلمني داخل الجبيرة .كنت استعذب الألم ومازلت أعاقب نفسي بنفسي .أعاقب نفسي القاسية بألم أقسى لا يحتمل .أيامها أطلقت عليّ تَعويضة لِسانين اسم الكيد .الحجر. صرت هاشم الحجري .هاشم الكيد. ولما حلّ يونس الجبيرة، تحققت مخاوفه .أصبحت ذا عرجة مزمنة بقدمي المصابة .صنع إسْهاج عكازا لي .في البداية كان بغيضاً لأنه يذكرني بالنبوت القديم .لكن ما باليد حيلة .ولأنني صعيدي وحتى أموت سأكون ابن قريتي الصعيدية .اشتقت لحمل النبوت .فأوصيت بمن أحضر لي نبوتاً مصفحاً يشبه نبّوتي القديم كثيراً. ألقيت العكاز رغم أن السير استناداً على النبوت مرهق .لكنني.. ألم أقل لك إنني صرت أستعذب الألم؟ ثم أنني بدون نبوت أحس بأنني عارٍ! مع الأيام تكلمت لغة هؤلاء الناس وأتقنتها تماماً بمساعدة أم خيشة. أغرق نفسي وحزني في العمل وفي موّال نَبَت من حشاي .كنت أغنيه وأبكي..
سَجَرْ بلا ضلّة مالي بيه؟
كان يُرطّب غُلبي يا سلامة. مواسم أُغنّيه حتى أن مطربي القرية غنّوه بعدي وبالعربية التي أدخلوا فيها النوبية .أه .سَجَر بلا ضلّة. .مالي بيه؟ إي يا بني، فكل القرى الغريبة عني هي شجر بلا ضلّ، الظلّ هناك، في قريتي التي ولدت بها، قريتي الأصلية، المهم يا بني، كنت أغرق نفسي في العمل الشاق حتى يكل جسدي تماماً فأنام كجذع جميزة, فلا تزورني بَهيّة ولا عائلة بَهيّة. عملت ثلاثة مواسم في أرض أم خيشة، أرضها كانت تبعد عن النهر بمسافة بعيدة، وسُبُل ريّها متعبة، ولأنها على حافة بيوت النجع فالرمال كانت تطغى عليها يوماً بعد يوم. حفرت لها بئراً وصنع لها إسْهاج ساقية بها قطعة العزف تعزف نواحاً عليّ كما أظن لا على ناس خيشة الذين ماتوا سريعاً. عاملتني خيشة كأني أخ لها، اصطبرت على خشونتي. آه يا خيشة. أعدت بناء جسر خور البحر مع عدد من الشبان. بنيته أعرض من سابقه وبدبش كبير حتى صار جسراً تفخر به القرية وسط قرى النوب. الذي خطط بمقدرة كان هَمَرين، والذي نفذ بمقدرة كنت أنا، والذي تقرّب مني وأحببته بعد أن أحبني هو أُثمان كُورنة. أحبوني وأحببتهم, ورغم كل هذا الحب وإصرارهم على بقائي بينهم ومساعدتهم لي في بناء بيتي هذا، لم يفكروا في تزويجي فتاة منهم ولا أنا فكرت في الزواج أصلاً لمدة سنتين. قالوا لتحضر فتاة من قريتك الأصلية! هاها،إنهم لا يعلمون لماذا تركت قريتي. كنت قد أقسمت لهم إنني لم أفر من ثأر، لا يطالبني أحد بدم، لم أكن أكذب في هذا، لكني كذبت وقلت لهم إنني تركت قريتي لأبحث عن رزق أوسع، وصدقوني، وهل كنت أستطيع أن أقول لهم إنني هارب من رفض أسرتي لي؟! هل أقول لهم إنني هارب من شبح أختي بَهيَة ورأسها المفلوق وصوت انكسار جمجمتها؟ لذلك قالوا لي فلتأتِ بفتاة من قريتك، لن يعطوني فتاة من قبيلتهم. مستحيل أن أتزوج فتاة منهم. الذين لا يشعرون بالعار من دخول الغريب بيتهم ولا من حديث الغريب لأنثاهم.. يشعرون بالعيب، بالعار إن تزوجت بنت العشيرة من غريب عن سلالتهم حتى لو كان هاشم الكيد. قال لي العمدة الكبير.. أبو نُوري العمدة الحالي.. سنأتي لك بإحدى العبيد تعتقها وتتزوجها. ولأن قوافل الجلابة النخَاسين ممنوعة في هذه القرية بإفتاء من الولي جوش، فقد ذهبت معهم على مركب إلى قرية كوروسْكو حيث ملتقى قوافل الجِمال ومرسَى القوارب الآتية من الجنوب والشمال. لا أتكلم. لا أوافق. ولا أعارض.. سيعرضون عليّ فتاة من عبيدهم. لم يعلموا أن في صدري صخرة تثقل قلبي، وأن بَهيَة تتجسّد أمامي ساخرة. أذني تطن فيها وسوسة شيطانية. وقع خطوات أبي الخفيفة. المهم.. وصلنا. استقبلونا بحفاوة فلقد كان معنا العمدة ذات نفسه. ونحن في مضيفتهم نأكل. سمعنا هرجا ومرجا في الخارج. دخل علينا رجل من أتباع عمدتهم. أخبرنا إن قافلة عبيد وصلت. ضحكوا وقالوا إني مُرزق. خرجنا. القافلة وصلت إلى ساحتهم. قاطرة جِمال. عصابة من اللصوص تقودها وتحرسها. بَرَكَت الجِمال. عبيد من النساء والرجال وبعض الأطفال. البعض موثق بالحبال والبعض متروك لعجزه أو لضعفه. دفعني العمدة لأقترب. اقتربت. نظرت.. نساء قويات رغم الإرهاق البادي عليهن والأتربة، لمحت فتاة قصيرة نحيفة تعطينا ظهرها وهي تحتضن سَيّدة كالمارد قوية البأس رغم كهولتها. تصل الفتاة بالكاد إلى أسفل صدرها. تنتفض وتبكي. أحسست بحالها تقدمت منها. نظرتْ إليّ المرأة المارد. عيوننا تلاقت. اطمأنت لي. مَدَدت يمناي برفق على ظهر الفتاة التي ترتدي أسمالا. اقشعر بدنها. ربتت عليها المارد وهي تديرها لتواجهني فأرى وجهها. لم ألاحظ ولم أشعر بعيون الناس وهم صامتون يتابعون ما أفعله. تَركتْ الفتاة حضن المرأة المارد والتفتت إليّ وقد أنزلت يديها من على صفحة وجهها. سوداء لامعة سَمحة المنظر. تقف مطرقة في خجل. عنقها كله ومواضع من صدرها عارية. دَفَعتها المرأة المارد إليّ وهي تحدثها بلين. أخذتها. وأنا أبتعد سمعت المارد تتحدث وكأنها تنصحها أو ترجو مني الاهتمام بالفتاة لا أدري. لغتها غريبة على الجميع. تلتفت الفتاة وهي تبتعد معنا. تلوّح باكية للمرأة المارد وتنطق بكلمات لم أتبين إلا جرس كلمة ترددها كثيراً.. بجيوة.. بجيوة.
عدنا بالفتاة الخجول. تزوجتها. كانت جوليه.. أمك يا بني . أمك.
يتبع

حجاج حسن أدول 22-11-2006 03:12 AM

تابع حكاية هاشم الكيد
 
أم خيشة لم تتركنا. كل يوم عندنا أو تأخذها عندها وأنا أذهب إليهما حين أعود من حقلي. تعلمها عاداتهم ولغتهم وتحضير طعامهم كما علمتني الكثير. حاولنا إطلاق أكثر من اسم عليها. أطلقتْ عليها أم خيشة اسم وَهِيلَة. وهو اسم إحدى بناتها المتوفيات، لكن أمك لم تسترح إلا لما ناديناها.. جوليه. أمك كانت جوليه في موطنها الأصلي، وكانت جوليه في قريتنا هذه. قريتنا هذه ونحن كلنا غرباء فيها.. أنا وأمك وأنتَ وبجيوة. جوليه كانت طيبة، نشطة. بلسماً لجروحي الدامية. ارتاحت معي من أول أن رأتني ساعة دفعتها المرأة المارد إليّ . تحملت سوء طبعي وعصبيتي. تحملت صمتي شبه الدائم. لم أكن أضحك إلا عندما تَسُبّني أم خيشة أمامها لأنني لا أحادث زوجتي ولا أقيم معها الوَنَسَة المعهودة عندهم. لا أضحك لجوليه وأهش وأبش. لكننا كنا أحياناً نقيم وَنَسَة بطريقتنا الخاصة أنا وهي.. أنا لا أعلم لغتها الأصلية وهي تعلم القليل من لغتي النوبية ولا تعلم شيئاً من لغتي العربية. كنا نستلقي على سريرنا تحدثني هي بالساعات عن حكايتها وعن ناسها بالصوت والإشارة وتعبيرات الوجه، وأحيانا تقوم لترقص رقصات تحكي بها مقاطع من قصتها. وأنا أسمعها وأمنع دموعي حين تبكي هي. خاصة.. خاصة. لا أعلم كيف أقول وأحكي لك يا ولدي.. خاصة عندما اختطفوها من الأحراش التي خلف قريتها, خاصة حين .. حين اغتصبوها وهي في المبنى الحَجَري الذي حولوه لسجن. سامحني لبكائي.. اغتصبوا زوجتي.. أمك. أسقطت حملها في الرحلة المنهِكة. أقسم بالله لو أضع يدي الآن على أي تاجر شارك في قافلة العبيد التي ضمت جوليه وبِجيوَة.. لأقتلنه. مجرد احساسي بأن رجل اعتدى على زوجتي.. أم أولادي.. رجل شاهدها وواقعها.. أوووف. نار تلهبني وتحرقني وتؤلم جوليه وهي تحس بناري. لم أكن أريد اخبارك، لكن.. أبوك بشر ويريد أن يفضي بآلامه الجبالية والمتراكمة جبلاً فوق جبل. لنترك هذا الأمر الذي يخزيني ويجرحني حتى الآن.
أحكي لها أيضاً عن أحاسيسي بالغربة وعذاباتي.. فكلانا غريب وكلانا وحيد إلا من الآخر. أحكي لها حكايتي التي أحكيها لك.. خاصة عن بَهِيّة. تعرف يا سلامة.. بعد مواسم بعدما تعلمت جوليه اللغة النوبية.. لم تسألني عن تفاصيل حكايتي أبداً لأنها كانت قد عرفت مُجملها أيام كنت أحكي لها وهي لا تعرف لغة حديثي! ولا تريد أن تثير كوامناً من كوامن ناري. جوليه عندما كانت تراني أعود من الحقل باسماً يشتد بها الفرح وتحاول التعبير عن نشوتها وحبها لي بالرقص والغناء بلغتها الأصلية. إلا أن نظرة مني غاضبة كانت تجعلها تفيق من فرحها النادر. لم تكن تستمر في الرقص إلا إذا ساندتها أم خيشة وأمسكت بي من تلابيبي وتسبني وتلعنني وتقسم لجوليه إنها ستعلمني بالقوة كيف أعامل النساء. ورغم كل هذا لم أكن أسمح لجوليه بالرقص إلا نادراً، خلال وَنَستنا أنا وهي. وَنَسَاتنا كانت نادرة لا أعرف لماذا؟ كانت جوليه تتمناها كل ليلة.. لكن لم أكن مستعداً لهذا، وكأنني كنت ومازلت أكره الفرح.. وكأنني كنت ومازلت أخشى الفرح وارتعب من الضحك! آه.. لم تكن ترقص إلا خلال وَنَساتنا أو تواجد أم خيشة بيننا، ولا غير ذلك. لم أعطها الحرية رغم علمي بعشقها للرقص والغناء.
أه، يا سلامة. سامحني إنني أبكي رغماً عني. ليس لك ذنب في دموعي يا بني. أنا الملوم. أنا المسئول عن بؤسي. كنت قاسياً غبياً كالثور مع أمك الطيبة. كثيراً ما كنت أصحو ليلاً على نهنهاتها.. تحاول كتم بكائها. تدعّي أنها تبكي ناسها اللذين خُطِفَتْ من بينهم. لكني أعلم إن جزءاً من أسباب بكائها هو حصاري لها. كبتي لفيض جسدها الذي يريد أن ينطلق رقصاً وحياة مثل بقية ناس قريتها الأصلية.. وقريتنا هذه. تعلم كم أتعذب أن رجلين نالا منها ولو بالغصب. لماذا يا ربي تكون جبال آلامي من النساء وعار النساء؟
آه, لمّا أنجبتك، لم أطلق عليك اسم أبي. ولا اسم أحد من عائلتي. فأنا أريد أن أنسى عذابي كأني لم أولد إلا عندما سقطت من أعلى النخلة العالية وتهشمت ساقي وصرت هاشم الكيد. ولم أطلق عليك اسماً غريباً، لأن أباك غريب هنا. سميتك سلامة. آه.. هو اسم قريب من اسم أم خيشة الأصلي.. سالمة.
انفتح بيتي للزوار. بدأت اسمح لكبار السن أن يحادثوا أم سلامة كما كنت أناديها أنا، وجوليه كما أصر ناس القرية على ندائها. أُثمان.. ذلك الرجل الطيب القلق القصير النحيف. صار صديقاً لجوليه فلم اعترض. يضاحكها ويداعبك وأنت صغير. كنتَ تحبه وكان يناديك هو بسلامة جوليه! هو فقط وأم خيشة. أما بقية القرية فينادونك بسلامة الكيد. يعرفون غضبي من إلحاق اسمك باسم أمك كما يفعلون مع ابنائهم أحياناً. قلت لنفسي.. لأنجب عشرة أولاد لتكون لي عِزوة وأصنع عائلة هاشم الكيد. تكون لي عائلة كبيرة باسم هاشماب, حسب تسميات عائلاتهم الكبيرة هنا.
كنت تنمو أنتَ على صورتي تماماً. أم سلامة تحملك وتنظر إليك وإلى وتضحك فتلمع أسنانها البيضاء.. تقول.. أنتَ.. هو . هو.. أنتَ. كانت شديدة الفرح بك. كانت تدللك باسم من أسماء قبيلتها الأصلية. لكنها امتنعت لما غضبت غضباً شديداً. لا أريد لابني أن يحمل آثار اغترابه عن قريته النوبية أكثر مما هو غريب. وكنت أتمنى أن أنْسِى ناس القرية هنا كونك من سلالة عبيد من ناحية أمك. وكنت أتمنى أن أبث وأثبِّت فيهم إنك منهم وإنه يحق أن تتزوج مستقبلاً منهم. وفي نفس الوقت لا ينسون أصلك الصعيدي ويتشرفون به عن رضاء.
كنت أنتَ سلوتها أكثر مني في غربتها وفراقها لأهلها. ولمّا حملت أم سلامة مرّة أخرى. فرحت وقلت إن الأيام بدأت تصفو لي. دعوت كثيراً ألا أفقد المولود ولا الوالدة كما يحدث كثيراً في القرية. الحمد لله لم يحدث موت. لكن حزنت والله لما جاءتنا أختك. بجيوة. شاهدتها. انقبض قلبي. أم سلامة لا تفهم كيف أغضب لأن الله رزقنا ببنت! مع أنها تعلم حكايتي مع بَهِيّة. تقول بَهِيّة.. بَهِيّة. جوليه أحبت بَهِيّة؟ تسألني بمفرداتها البسيطة..
-لم حزين؟ لم لا حُب ابنتي؟ ولادة تاني.. ولد شاء الله.
لا تعلم أن ابنتها أخذت ملامح عَمّتها بَهِيّة عدا اللون الأسود الغطيس الذي أخذته من أمها. وجهها دقيق الملامح. العيون الواسعة الشعر الناعم تماماً كشعر بَهِيّة إلا أن لونه أسود. أمّك كانت تريد أن تطلق عليها اسم من اسمين، بَهِيّة.. لترطب جوفي المستعر وتصالحني على بَهِيّة الأولى ببَهِيّة الثانية. لكن لم يكن قلبي يتحمل هذه المغامرة. قلبي متوجس, مرعوب أن تكون هذه الرضيعة الباكية قد أخذت طباع عَمّتها بَهِيّة مثلما أخذت الكثير من ملامحها. يا رعب أبيك يا سلامة من هذا الخاطر المرعب! رضيت باسمها الثاني.. بجيوة. إنه اسم المرأة المارد التي سلمتني جولية. تعرف يا سلامة، إن أجمل ثلاثة هدايا أعطيتها لجوليه كما قالت لي هي.. سلامة وبجيوة ابنيها، والهدية الثالثة موافقتي على أن امنح ابنتي وابنتها اسم بجيوة. كم كانت تحب هذه المرأة وكم كانت المرأة تحبها. من أجل خاطر أمك ولأرضيها, ذهبت إلى كوروسْكو مراراً لأتتبع رحلة بجيوة الكبيرة. من اشتراها، وأين استقرت؟ لم انجح، أوصيت إن علموا بشيء أن يرسلوا لي ويبلغوني، كم بكت أمك. كانت تحلم بأن تلتقي بها. أن تحضرها معنا في القرية، في بيتنا،كانت تعلم كم أحببت أنا الآخر تلك المرأة المارد الطيبة. المهم.. بجيوة الثانية، ابنتنا، أختك، كبرت قليلاً وتشاقت بجسدها الذي أخذ يمتلئ, وإن حمدت الله أنها لم تكن مدمنة للضحك الكثير مثل بَهِيّة, يوماً صحوت وجدت أم سلامة راحت.. ماتت. هكذا من الباب للطاق. استراحت من حصاري لها وكبتي لرغباتها في الرقص والغناء والتداخل مع نساء القرية ومع ناس القرية كلهم، عادت روحها لناسها, موتها كان الفَرطوس قبل الأخير الذي نزل على رأسي أنا المتعجرف الكيد، لم أبكها بالدموع، انضم خيالها اللائم مع خيال بَهِيّة وأخيلة أمي وأخوتي البنات، آه، ندم على ندم. أسى على أسى. طيّات حزن على طيّات حزن. كرهت نفسي. كرهت حياتي. كرهت القرية وناسها ولم اتداخل معهم وهم يقيمون العزاء على جوليه.. زوجتي . لا أرى من يأتي لتعزيتي، لا أرفع يدي لأصافح الأيادي التي جاءتني لتصافحني وتخفف عني بلوتي.. مصيبتي . العمدة الكبير كان يجلس بجانبي ليأخذ معي العزاء.. والشيخ صَلاتو يدفعني دفعاً لأبكي.. يحثّني على أن أترك عيني تبكيان وأترك قلبي ينطلق ليعبر عن كارثته. لم أبك. الكيد لم يبك. وهل البكاء يمحو إحساسي بالذنب تجاه عمّتك وأمّك؟! وهل البكاء يبدي للآخرين كم أنا تعس.. كم هي أغوار كارثتي؟ ولم ينجح أُثمان كُورنة في تخفيف العبء عني. وكانت أم خيشة في بيتي تحترق في رقصة النائحات. كرهتُ سلامة وبجيوة. قسوت عليكما. يداي لا تكفان عن ضربكما رغم سنكما الصغيرة، لماذا؟ لا أعلم؟ كرهت كل شئ حتى حبي للعمل. أهملت أرضي وحديقتي، فقط أدخن الجوزة بالبانجو. أم خيشة أخذتكما عندها، أمّا الكيد فقد صعب حاله على ناس القرية فكسروا تقاليدهم من أجلي، عرضوا بناتهم على هاشم الكيد، لكن الكيد أصبح وليس له في النساء، لقد قتلت اثنتين من أحب ناسي.. بَهِية وجوليه. لم يعد لي أي متعة حلال أو حرام عدا التدخين وموال جديد أضفته إلى موالي السابق..
ما بين البيضة والسَمْرَة
ضَيّعتِك يا حياتي
يتبع

حجاج حسن أدول 22-11-2006 03:13 AM

تابع حكاية هاشم الكيد
 
ثم العودة والإغراق في العمل الشاق والنوم كجذع شجرة الجميز حتى لا تزورني خيالات الموتى اللائمين خاصة خيالي بَهِيّة وجوليه، ومعهما أحيانا خيال أمي وهي تتقيأ ما بمعدتها الفارغة, ووقع أقدام أبي في قلب الليل والتي أسمعها وأنا أهرب من خيالي بَهِيّة وجوليه، لتتحول إلى دقات قلبي المتسارعة حتى أقفز صارخاً مرعوباً.
لا تقلق من بكائي، فالدموع ترطب ناراً في حشاي لم تتبرَّد من عمر طويل يا سلامة.
آه, كان من العقل أن تلين قسوتي مع أولادي. لكن العكس كان تماماً. أخذتكما من أم خيشة. لم تتحمل أنتَ طباعي وخشونتي وضربي المستمر لك فهربت مني، تركتني وأنتَ صبي ورحلت جنوباً فكان هروبك هو الفرطوس الأخير على أم رأسي. لكن.. الله أعلم هل هو الأخير أم يخبئ لي القدر ما هو أخير. توقفت عن ضرب بجيوة أو كدت. بين نارين، أحاول إقناع نفسي.. لعبها مع الأولاد والبنات في القرية ليس عيباً، تلعب مثلها مثل غيرها من البنات في هذه القرية التي لها تقاليدها، المختلفة عن تقاليدي التي تربيت عليها في الصعيد الجواني. رغم أن جسدها كبر قبل الأوان مثل عَمّتها، اتركها تلعب وتستحم عارية مع الأطفال في النيل. لا أنطق حرفاً واحداً. فلتأخذ حريتها وحرية أمها جوليه التي لم تستمتع بها. تأتيني بَهِيّة ساخرة مني كارهة لي شامتة بي لاعنه لي.. تصرخ في.. تترك ابنتك تفعل ما تفعله وتقتلني لأنك ظننت أن كفّي صافحت كف ذكر؟! سوف تأتيك وفي بطنها كف الذكر ينمو لينسل من جوفها معلناً عن فضيحتك يا هاشم. أثور على بجيوة وألقي الرعب في قلبها الصغير. أحبسها. تبكي وتتعذب وهي لا تفهم لمَ أنا متقلب؟‍ لمَ أنا مختلف عن كل آباء صديقاتها؟‍ يأتيني شبح أمها.. جوليه، تلومني باكية. تقول لي .. قتلتني سجناً وكبتاً. خنقتني فَمُت حَسْرة.. فهل ستقتل ابنتي أيضاً بنفس الطريقة؟‍ وهكذا تمضي أيامنا.. أنا وأختك بجيوة.
آه, يا سلامة. مازال صوت كسر الجمجمة يطاردني. نهنهات جوليه المكبوتة تطاردني. والخوف على بجيوة ثعبان يزحف بين لفائف مصاريني. ينفث سموم الشك والقلق، ثم فجأة يرفع رأسه المرعبة لينهشني في قلبي.. في كبدي.
أصبحت عجوزاً . حجرياً في مظهري .. لكن حطام عجوز في داخلي. أصبحت عجوزاً وأنا مازلت أصغر من أن أكون عجوزاً . أخشى أن يكون الله غاضباً عليّ . سلامة.. ابني.. أحتاج إليك.. أحتاج لوَنَسَتك.. هل ستبقي معي؟
آه, يا سلامة.. اذهب لابنائك. أنت تشبهني, تشبه الكيد شبهاً تاماً. لكن أنصحك.. إياك والعجرفة.. إياك وسرعة الغضب إياك وإمساك النبوت.
انتهت بهذا حكاية هاشم الكيد، ولكنها ضغيرة مع غيرها من الحكايات تتضافر مع بقية الرواية الملحمية.

حجاج حسن أدول 24-11-2006 02:09 PM

حكاية الشرماء والأشرم
 
ابتلاها الله ِبشِفّة أرنبية شوّهت وجهها, فشفتها العليا بها خور مفتوح لأعلى يصل للأنف, يكشف اللثّة في بشاعة ويفسد مخارج الحروف حين الكلام .لم يشفع لها أن ما بها هو قضاء الله, فلم يهتم بها الذكور رغم ذكائها وحيويتها وروحها المرحة الطيبة .لم تتزوج حتى قاربت الذبول .
عمّها هو المنشد الضرير عسل الذي كَفَلَها عنده بعد يتمها .سَليمتو ابن عمها، لم يتزوجها رغم تقاليد القبائل بعد دخول الإسلام بتفسيراته البدوية, والتي تدفع أولاً ابن العم بستر ابنة العم لكونها من العصب، خاصة إن لم تكن مرغوبة. وإن كان العذر الظاهري أنها تكبره بجزء من مرور فيضان واحد, فالسبب المعلوم لها ولناس القبيلة التي تتكوّن منها القرية، أنها فتاة مشوهة منفرة الوجه خنفاء, وعليه فإن أولاد الخال والخالة رفضوا الإقتران بها لأن الأولى بها تخلّى .
عندما أتى الغريب من الجبل, استضافه العمدة الكبير, فقد رأى فيه رجلاً صالحاً من طَلق الصحراء. وحين أبدى الغريب رغبته في الاستقرار، وافق المنشد عسل على رأي العمدة الكبير بأن يعطوه الشرماء زوجة.
سَليمتو الصامت كالأخرس هاج وماج وأبكى أباه الأعمى الذي لم يستطع حماية ابنة أخيه الشرماء من طغيان ابنه .العمدة الكبير عنّف سَليمتو. اشمأز منه ناس القرية, لكنه أقسم بأن هذا الزواج لن يتم. كيف يتزوج ابنة عمه رجل غريب من إفراز الصحراء؟! أعلن سَليمتو أنه سيتزوج الشرماء. تَعويضة زوجته وافقت على زواج زوجها من ابنة عمه لتكون ضُرتها .قالت في منطق غاب عنه زمناً ..
-أليست ابنة عمه؟ أليست مسئولة منه ودمها هو دمه؟
والشرماء تعلم أن سَليمتو لن يقربها أبداً، فقد عاشت معه في دار واحدة, إنه يعاف حتى من تناول الطعام معها من طبق واحد .ثم إن تَعويضة أم لِسانين تعلم أن الشرماء ضعيفة مكسورة القلب وبشرمتها هذه لن تأخذ منها رجلها حتى لو تزوجته, تطمع في سبعة قراريط وعشر نخلات ودار ورثتها الشرماء, طامعة مثل زوجها الذي بخله أشد وأعمق من بخل مُهدي البقال الأصفر .
أصابت الشرماء نوبة هلع مجنون, كانت تتألم منذ طفولتها حتى مراهقتها من بشاعة منظرها. مواسم طالت وحرمانها من الغزل ونظرات الشباب يكويها. جسدها رغم صغره وقصره قوي نشط مفصل في براعة. أنوثتها أرض خصبة تشققت بأخاديد الغضون من فعل العطش. لا ينقصها إلا غرز البذور في فيضان من ماء الحياة فتمتصه وتطلق حصاداً كأي أرض طبيعية. تألمت حتى دخلت كهف اليأس, ولطيبتها قبلت الأمر الواقع من بعد عمر المراهقة, وأصبحت لا تذكر أنوثتها وحرمانها إلا كل ليلة فتذرف دمعتين وتنام, أما في النهار فهي لا تبقى أبداً في بيت عمّها, تَعويضة لِسانين تذيقها المر من تلميحات وغمزات جارحة, وتصريح أقوال مباشرة تؤذيها في أنوثتها وكيانها كإنسانة, وإن جرأت وردّت أو حتى احتجت، أقامتها تَعويضة معركة وفضيحة فتضطر الشرماء للانسحاب خجلاً. عمها الضرير لا يستطيع حمايتها. وابن عمها سَليمتو في رحلاته بمركبه الشراعي طوال اليوم وان شكا له أبوه مهانة ابنة عمه.. مَصمص شفتيه ولم يجب.
يتبع

حجاج حسن أدول 24-11-2006 02:10 PM

تابع حكاية الشرماء والأشرم
 
من عمرها ليس لها إلا ديوانة زوجة مُهدي البقال. ومن البنات الأصغر منها مباشرة، تتقبلها الشقيقتان هَكيمة ونَبْرة وشقيقهما الذي اعتبرها شقيقة ثالثة له، أُثمان كُورنة.لم يكن فقط يستقبلها مرحباً، بل كان يمازحها ويدلّلها ويتشاجر مع تَعويضة بسببها .حلمت به زوجاً وسرعان ما طردت هذا الحلم الغبي. فأُثمان كان يأمل في الزواج من تَعويضة! لا تعلم لماذا وهو الطيب وهي الشرسة! وبسبب حب أُثمان للشرماء, قللت تَعويضة قليلاً من سخرياتها منها، قليلاً .وبعد بيت أُثمان ليس للشرماء إلا عدد من البيوت المحبّـة لها والتي تتقبلها ويضاحكونها مقدرين روحها الطيبة بدون شبهة شفقة تؤلمها. لو أمكنها المبيت في دار أبيها المهجورة والتي سقطت بعض جدرانها وأسقفها، لفعلت.أمانيها وأحلامها المستحيلة تتركز في طلبين.. رجل ودار .رجل يحميها من سَليمتو وتَعويضة لِسانين .رجل تزف إليه في ليالى حافلة بالرقصات ثم يأتيها في زفة صوفية مثل كل عَروس .رجل يسكنها حصنه وتسكنه حصنها مثل سائر النساء.ودار تخصها, تخصها هي, تكون فيها سيدة الدار, تغلق بابها عليها, تزورها فيه السيدات ويهنئنها ويقرصنها ويسألنها في ليلة الصباحية ضاحكات ..
-ما أخبار ليلتك الساخنة؟ وكيف كان معك؟ هل كان فظاً أم يجيد الوَنَسَة؟ هل هو خبير أم أرعن عبيط؟
تضحك منهن وتتدلل وتكذب كما كَذبن من قبل .تقول ..
-إنه فحل خشن قوي .(قطع من الرقيب الأدولي) ولم يهدأ ويهمد (قطع من الرقيب الأدولي) وبعد ما بكيت له مستعطفة أن يرحمني (قطع من الرقيب الأدولي).
رجل ودار .رجل وإن كان أرملاً أو مطلقاً، عجوزاً مريضاً .رجل وإن كان ليس من صلب القبيلة. تسكن معه دار أبيها وإن كانت خربة .
والآن استجاب الله لها .أحلامها في الصحو والنوم قاربت أن تتحقق لا تعلم كيف! فبدأت تضيف إلى أحلامها حلماً ثالثاً.. أن تلد أطفالاً أشقياء ليسوا شُرماء.فتأتى تَعويضة لتخرّب عليها حلمها وحياتها! سَليمتو الزير البارد، يسخن! ابن عمها الصامت والبخيل حتى في كلامه، يتكلم ويثور ليقتل حلمها فيقتلها!
بدأ الناس يوافقون على حجج سَليمتو الذي تحمس رافضاً زواج الغريب من ابنة القبيلة حتى لو كانت شرماء. العمدة والمنشد عسل اكتفيا بالصمت، فحق ابن العم في ابنة عمه وابنه خاله صار حق قَبَلي. تيقنت الشرماء أن عصابة تَعويضة ستنتصر عليها. ساومتهم حتى رضوا. سَليمتو لم يهمه كلام الناس وازدياد احتقارهم له.باعته نصف أرضها ونصف نخليها بثمن بخس. فتنازل عن مطالبته بالزواج منها.
كلّفت من أصلح دار أبيها, دهنتها وزينتها جدرانه وأدخلت فيها سريراً وصندوقاً وأزياراً وبعض الحُصْر, أواني قليلة وصومعة بلح .بنفسها زينت الدار من الخارج بنقوش من ألوان الجبل، وعيون من أطباق خزفية ألصقتها بجدران البيت الأمامي المطل على النيل، لتكون إشارات ضوء مطمئنة لكل عابر سبيل غريب في الليالي القمرية, ولتعكس نظرات الحاسدين .اشترت ركوبة صغيرة وبضعة جلابيب لعريسها ولم تنس العطر والزيوت الخاصة بكل عَروس ستزف إلى ذكرها .
أشبعت نقصها الداخلي وأصبحت امرأة مثل أترابها من بعد ظمأ مواسم, ودخلت بجرأة في مناقشاتهن عن كل مايدور بين الإناث والذكور، تترك مجلسهن أحياناً بِحِجّة أن زوجها عصبي ولن يعفيها من العقاب إن تأخرت عليه, وهن يعلمن أن زوجها ليس عصبياً بل هو في غاية الهدوء والطيبة, يضحكن عليها وهي تهرول مبتعده سعيدة. شهور سعد لم تَدُم.
كُتبَ عليها أن لا تهنأ في الدنيا .مات الغريب بعد أن رواها وبل صَدى جسدها وأجلى أنوثتها. يومها كان بطنها في إنتفاخ. صُدِمت, إنهارت, هزل جسدها ويأست تماماً من حياتها, فتمنت الموت لنفسها ولمن في بطنها فيلحقان بالغريب الذي أحبته ورحل, ثم جثم في بالها هاجس مرعب، فكلما زاد انتفاخ البطن، اشتد بها القلق أن تنجب شرماء مثلها فتبتلى بالوحدة الباردة طوال حياتها وتشرب من بئر الحرمان المر الذي شربت أمها منه وتجشأت .
يتبع.

حجاج حسن أدول 24-11-2006 02:11 PM

تابع حكاية الشرماء والأشرم
 
هزالها وضمورها سريع .انتفاخ البطن لازال ينمو وأصبح كأنه ورم معلق في عودها الضامر القصير, جاءها الطلق, لم تصرخ صرخة واحدة .فقط تنهنه باكية وتوصي من حولها بمن سيأتي. تدعو أن يموت معها. لا تأبه بكلمات التشجيع من السيدات حولها .حتى خرج منها الذي كان .لم يعرضوا عليها ابنها. سمعت بكاءه الأخنف. من الوجوم علمت .زادت من نهنهتها ونزفها يشتد غزارة ثم صمتت.لم تر وجهه لم تر شرمته ولم تعلم أن بساقيه عيباً سيضيف إلى قبح الوجه وضعف البنية والخنفه عرجاً واضحاً .ديوانة بكت .احتضنت الطفل الباكي في خنفه وقالت ..
-أمر الله.
في هذه الليلة، في نجع المنحنَى، أنجبت هَربية ابنها سَيّد .اعطوها أمرُ الله فأرضعته مع ابنها. تكفلت به حتى فُطم ثم أخذه خاله سَليمتو على مَضض واستقبلته تَعويضة أسوأ استقبال. فعاش مهاناً غير مرغوب فيه مثلما كانت أمه الشرماء .كِسبانة ابنه خالة، عاملته معاملة أسوأ من معاملة أمها لأمه الشرماء.
الأطفال تحوي نفوسهم طيبة مخلّطة بقسوة متوحشة وإن كانت ساذجة .في النجع ثم في القرية ضايقوه كثيراً ورحموه قليلاً حتى تعود أغلبهم على شرمته، ومن يعاف النظر إليه أو تناول الطعام معه بدأ يداري هذا رحمة به. وندرة منهم من يواجهه بالأذى .نادوه بالأشرم, ثم نادوه بالأشرم بن الشرماء حين يعاكسونه.حتى سَيّد هَربية أخوه في الرضاع، والذي ظهرت عليه علامات السذاجة والغباء منذ طفولته, كان يناديه بالأشرم ولايحب مخالطته, وحين صار صبياً كان يغضب عندما يعايره الأطفال بأنه أخوه في الرضاع .يعترف تحت سخرية أقرانه بأنه شخصياً أبله, لكن عذره.. أن سبب بلاهته, مشاركة الأشرم له في صدر أمه هَربية .
عندما عاد أُثمان كُورنة من رحلته الجنوبية التي إختفى فيها طويلاً, أصرّ على أخذ أمرُ الله الأشرم ليعيش معه, خاصة أن ابنه سلاطين رفض البقاء والعيش مع أبيه. تَعويضة لِسانين رفضت اعطاءه الأشرم، فمع ذهابه سيذهب معه ريع أرضه ونخلاته. وهذا الريع هو السبب في مطالبتها لهَربية بإعادة الطفل إلى دارها.. دار خاله سَليمتو, تدّعي خشيتها من لوم ناس القرية واتهامها بأنها طردته! ألحّ أُثمان وتحدث مراراً بين الناس أنه يحتاج أمرُ الله ليآنسه في البيت الخالي.حتى اطمئنت تَعويضة أن أثمان لن يطالب بحق الطفل في أرضه ونخيله, فتخلت له عن الأشرم بعد أن أشبعته بسخرية مدعية إنه كان يميل جنسياً إلى الشرماء أم الأشرم، فلم تنس غيرتها القديمة من حبه للشرماء ومقولته..
-أنا لي ثلاث شقيقات.. هَكيمة ونَبْرة والشرماء .
لذلك رغم عدم خجل تَعويضة من أي حديث مفضوح مفتوح أمام الجميع, فإنها لم تطعن سمعة أُثمان كُورنة وسط الناس باتهامه باشتهاء الشرماء .فقط بينه وبينها تتهمه لتشاكسه وتضايقه .
خرج أمرُ الله الأشرم من بيت خاله سَليمتو عسل .ارتاحت الأسرة منه عدا هُوشَة التي كانت تسعد به. خرج الأشرم بجلباب وطاقية وقلب مهترئ وجسد ضئيل. يضع أُثمان يده على كتفه مشجعاً, وعند الباب التفت الطفل المشوّه, تبحث عيناه عن الفتاة الوحيدة التي يحبها في هذه الأسرة.. هُوشَة. وجدها تقف بعيداً تراقبه .تلاقت أعينهما فبكت هُوشَة وأسرعت تختبئ في حجرتها ورحل هو مع أُثمان بشرمته وعرجته ونفسه المهيضة تتلهف على حب إنساني يحيطها .
إن كان أُثمان يعطف عليه، فإن ابنه سلاطين حين عاد إلى دار أبيه أُثمان اتخذ من الأشرم خادماً. الأشرم نفسه أحب ذلك, أحب أن يكون تابعاً لسلاطين, لأكثر من سبب, أبسطهم أنه ابتعد عن دار تَعويضة, إذن فكل ما يلاقيه أخف وأبسط من عذاب أم لِسانين. وبذكائه الفطري الموروث من أمه، أدرك أن سلاطين أقوى من أبيه أُثمان كُورنة, وأن أُثمان مكسور أمام ابنه .لكن السبب الرئيسي كان هو شعور عجيب يدفعه إلى التقرب والالتصاق بسلاطين فهو يخاف من سلاطين ويهابه، يعجب به حتى جعله مثله الأعلى.هما مختلفان تماماً, نقيضان, قمه وسفح, جمال وقبح, قوة وضعف, صلابة وتهدل, نفس آسرة مُسَيِّرَة طاغية ونفس مأسورة مُسَيَّرة ذليلة, لذا كان سلاطين هو الطفل الذي كان يتمنى أمرُ الله أن يكونه. وفي أحلام يقظته التي أدمن الهروب إليها طوال حياته من بؤس حياته، كان يتصور نفسه سلاطين, يأمر فيُطاع, يضرب فيؤذي, يقول فيستمع الأطفال له, ينظر إلى الصبايا فيملن إليه.ولمّا لاحظ وهو الثاقب النظر أن سلاطين هواه عند هُوشَة ابنة خاله سَليمتو، والتي يعتبرها الأشرم شقيقته, ازداد هو تقديراً لهُوشَة وأخذ حبه لها كأخت يتحول إلى حب ذكر لأنثى .ولما تزوجها سلاطين، تزوجها هو أيضاً في أحلامه.أنجب منها سلاطين فكان أطفال سلاطين منها أطفاله هو .وكلما زادت مكانة هُوشَة عند سلاطين ازدادت هُوشَة مكانة في نفسه أيضاً .لكن حبه لها اختلف اختلافاً واحداً خطيراً عن حب سلاطين لها،حب سلاطين لها قابل للضمور والتراخي, وحبه لها قابل للتعملق والتعمق. والأشرم طبعه اللين وسلاطين هو القسوة والشراسة بعينها .تألم الأشرم حين تبدّل سلاطين مع تبدّل الحال وصار يقسو على هُوشَة حبيبته وزوجته وأم أولاده. تمزق أمرُ الله الأشرم وهو يرى حال هُوشَة يتدهور. امتلأ الأشرم تعاسة لتعاستها .ومع الزمن بدأ سلاطين يتكسر كمثل أعلى عند الأشرم، حتى أتى اليوم الذي حطم الأشرم صنمه ومثله الأعلى منتقماً منه شر انتقام .

حجاج حسن أدول 25-11-2006 11:19 AM

حكاية خيشة
 
اسمها سالمة، وعندما كانت شابة وضرب القرية وباء السخونة وفتك بالكثير من ناسها، أثقل ملك الموت على إسْهاج النجار وزوجه هانُم مفكوكة فالتهم طفليهما, وأثقل أكثر على عائلة الولي جوش الكبير فأكل كل ابنائه، وكذلك بعائلة سالمة فعل .لكنه كان عند سالمة أثقل كثيراً وأحد منجلاً, فأكل ولديها وإخوتها وختم بوالديها .أما هي فقد كُتبت لها الحياة .ولئن كان الولي جوش الكبير قد تقبل المأساة في رضاء بالقضاء والقدر، رغم آلامه وثوراته الداخلية والتي كان يكتمها بصعوبة، فإن سالمة التي كانت أصغر أخوتها، جزعت تماماً ورفضت قدر السماء حتى بعدما شبت، فأنهكها القضاء .
أتى القرية هاشم الصعيدي شاباً جلداً، كانت سالمة حاملاً .قال لها سَمِّي مولودك بإسم قبيح, نفعل ذلك في بلادنا فيعيش الأطفال .أنجبت طفلاً فسمّته خيشة بناء على اقتراح هاشم.عاش، فمات زوجها، وزوجها الذي مات مبكراً كان ابن عمها وابن خالتها .زوّجت ابنها خيشة وعمره أقل من خمسة عشر فيضاناً. أنجب مصطفى وبعده بِهيتَة, ثم مات وأعقبته زوجته.
المرأة ينادونها باسمها، لكن هاشم الصعيدي الذي تولى زراعة أرضها لا يستطيع مناداة امرأة باسمها، فليس الأمر هكذا في قراه. يناديها وهو يعمل في أرضها بصوته العالي بأم خيشة، التصق بها الاسم لغرابته، صار اسمها خيشة .ترك ناس القرية اسم سالمة وتمسكوا باسم خيشة لغرابته وتفرّده! ورث حفيداها نفس الاسم، فصارا مصطفى خيشة وبِهيتَة خيشة .هما نور عينيها, ولأن الموت ابتلع كل أحبابها أولاً بأول، أصبحت تخاف على حفيديها خوفاً مَرَضياً، تخشى عليهما من نسمة الشمال أن تضربهما .لا تطيق أن يبتعدا عن عينيها.الموت رعبها الدائم الجاثم على قلبها .أطفال القرية عرفوا ذلك فيها. يعابثونها.. يقول لها أحدهم في هلع طفولي ساذج مصطنع..
-خيشة هووي، مصطفى يسبح في النيل، يريد العبور إلى الضفة الشرقية .
تولول خيشة، تجرى هابطة إلى الضفة وهي تنادي ..
-مصطفى ..مصطفى هووي .
يكون حفيدها بعيداً عن النهر .
-خيشة هووي .بِهيتَة تصطاد العقرب في أرض العقارب .
تولول خيشة .تجرى مخترقة خور المنحنَى ثم نجع نجيبيّة لتصل إلى خور البحر ومنه إلى نجع أورِّك .تجرى فيه ولا يعمل عقلها ويخبرها بأنها لو ركبت حماراً سوف تصل أسرع. وإن لم يوقفها أحدهم ويعطيها ما تركبه تستمر وهي العجوز في الهرولة حتى تهبط خور أورِّك وتصعد إلى أرض العقارب غزيرة العقارب والثعابين وهي تنادي ..
- بِهيتَة .بِهيتَة هووي .
وقد امتلأت عرقاً تحت الشمس القاسية .فلا تجد شيئاً .تطمئن أن حفيدتها ليست هنا! تدرك بعدها أن خطر الموت بلدغات العقارب صار يحيط بها هي، تصرخ وتبتعد خشية الموت، وخشيتها من الموت.. هو تركها لحفيديها ولا راعي لهما .
ورغم كثرة مقالب الأطفال، فإن خوفها على حفيديها من عدوها ملك الموت الذي يصر على ملاحقتها ولم يخطفها هي، بل خطف ناسها من حولها! خوفها يجبرها على تصديق أكاذيب الأشقياء, حتى ثارت عائلات الأطفال على أطفالهم وحذروهم وضربوهم حتى امتنعوا عن تدبير المقالب لخيشة العجوز المرعوبة.
يتبع.

حجاج حسن أدول 25-11-2006 11:24 AM

تابع حكاية خيشة
 
أحسنت إلى الصعيدي هاشم الذي حَضَرَ وزوجها على فراش الموت. أعطت هاشماً الأرض يزرعها وله الثلث من الحصاد. كان هاشم القوي أميناً. ولأنه فلاح يعي شئون الفلاحة، وغريب يريد إثبات مقدرته، أعطاها محصولاً وفيراً وحفر لها بئراً فبنى عليه إسْهاج النجار ساقية سُمّيت ساقية خيشة. أصرّت خيشة أن تكون قطعة الخشب التي تصدر الصوت المميّز لكل ساقية، ذات صوتِ حزينِ أسيان. نفذ لها إسْهاج رغبتها، فصارت ساقية خيشة من بين كل سواقي القرية تصدر عديداً حزيناً حين تدار!
هاشم الغريب غريب الأطوار، ما كان يبتسم لامرأة سوى خيشة .أطلقت عليه تَعويضة لِسانين اسم هاشم الكيد .كانت خيشة الوحيدة التي يحادثها ببساطة.ولما زوجوه من جارية ثقيلة السواد بعد إعتاقها، كانت خيشة تزور زوجته وتعلمها إعداد المأكولات النوبية والحديث بِلغة النوب.تماماً كما علّمت هاشم الكثير .ثم أخذت ولديه سلامة وبِجيوَة عندها خلال أزمة هاشم بعد وفاة زوجته المفاجئ, ولتبعدهما عن قسوة أبيهما المكلوم .
خيشة كانت تلوم نفسها، تظن أن قربها من هاشم الكيد حتى صارا وكأنهما أخ وأخت, جعل ملاك الموت يأخذ زوجته الصغيرة .ثم صرحت بذلك لهاشم لكنه لم يأبه بظنونها.واصلت الذهاب إلى بيت هاشم في نجع أورِّك حيث الأرض الجديدة التي استصلحها هاشم لنفسه .تطبخ له وتغسل ملابسه وتدير شئون بيته، وهو الرجل الغريب الغامض وليس من سلالتهم.
صار أصعب أمر عليها.. تَقَدُّم مصطفى في دروسه تقدماً سريعاً ليعّوض المواسم التي ضاعت عليه, حتى قال الشيخ صَلاتو إنه أذكى تلميذ عنده .وإنه تفوق حتى على بلال حفيده النابه نفسه.أصر مصطفى بعد ذلك على استكمال دراسته في مدرسة مدينة سُوِين مع بلال. بكت وحسّت الرمال على رأسها رفضاً لرحيله بعيداً .أصلا هي أرسلته مع أخته إلى الكُتّاب تحت إلحاحه الشديد والحاح صَلاتو. لم تكن تظن أنه سيتفوق كل هذا التفوق, لم تدرك حدّة ذكائه .أملها فيه محصور في مطلب واحد ..زواج سريع مبكر وإنجاب ذرية من الذكور تحفظ الاسم الفرعي لعائلتها فيستمر الاسم ويقوى ليكون عائلة كبيرة قائمة بذاتها مثلها مثل بقية الفروع التي تكاثفت. لا يهمها حتى بقاء مصطفى أمي لا يفك الخط, فما أهمية ذلك؟ وهل الأمي لا يستطيع الإنجاب؟ ومصطفى إن فك الخط وحفظ بعض الآيات القرآنية وبعض الأحاديث, كل ما سيجنيه.. تأخير سن الزواج, أي تأخير الإنجاب, ليس إلا! إذن, الأمي أجدى لها وأنفع. خيشة مطلبها ولُب أمانها ..تعويض الوفيات التي كادت أن تطمس اسم العائلة.. وأن تبقى أسماء الذين ماتوا بسبب تسرع وتعجل منجل الموت البشع, تؤمن خيشة تماماً بأن من ماتوا سيتم فقدهم ويتلاشون تماماً إن لم يتذكرهم أبناؤهم وأحفادهم بتكرار أسماءهم في ذريتهم. تؤمن بما يقوله لها الشيخ صَلاتو بما أتى به الإسلام, لكن بمجرد أن يبتعد الشيخ عن أذنيها.. يعود إليها ما وقر في قلبها وذهنها وموروثها الراسخ.
ضغط الشيخ عليها لم تستمع له. لكن مصطفى رأسه صلده.أصر وهو الصبي وغَلبَها, وذهب أخيراً إلى مدرسة سُوِين الداخلية بعيداً عنها .ولما شبّ مصطفى طالباً نجيباً، أصر أيضاً على استكمال تعليمه في أزهر بر مصر! لم تستطع كبح جماحه وهو الشاب وهي العجوز الآفلة .صار يغيب عنها مواسماً كاملة. فكانت لا تنام الليل ولا ترتاح في النهار رعباً من مكروه يصيبه, رعباً من منجل الموت المتسرع, عدوها اللدود أن يتبعه حيث هو فيغتاله هناك بعيداً عنها .كل صباح وكل مساء ومصطفى في القاهرة, كانت خيشة تقف على شاطىء النيل الممتد ووجهها ناحية الشمال، ناظرة لبعيد لعلّها تتنسم ريح حفيدها الطموح القاسي الغائب .ومن وقفتها هذه، وهي تنظر إلى البعيد شاردة حيث الأفق, جاءها منجل الموت في صورة بشعة يسبح في هدوء فيسحبها ليميتها غريقة مأكولة .

حجاج حسن أدول 28-11-2006 01:17 AM

حكاية أثمان كورنة الثانية
 
أرجو المعذرة لاضطراري أن أحذف بعض الكلمات والجمل، أو ابدالها. أدّول
***************
هل سِيدين هو السبب؟ أكيد .هل سِيدين هو من حَرّضني؟ مُؤكد. صغيراً كنت مع هَمَرين نستمع إليه ولا نشبع من حكاياته أبداً .هَمَرين لعنه الله، كان مهووساً بِصلات الآدَمِير أبناء آدم مع ناس النهر، ومع كل المخلوقات المستورة عن الآدَمِير .يهتاج شوقاً ليعرف كيف تكتب العقود بين الآدَمِير وبين أهل التيار ساكني الجبل, بين الآدَمير وبين مخلوقات النهر.. هنا في النوب وهناك في جنوبنا البعيد. كيف تعقد المواثيق وكيف يهبط الآدَمِير إليهم في قراهم المائية، وكيف يصعدون هم من قراهم التي على قاع النهر إلى قرى الآدَمِير البرية! هَمَرين يسأل ويسأل عن غرائب ناس الجنوب عند المستنقعات والشلالات وطرق التطبيب عندهم وعباداتهم وآلهتهم. يسأل ويسأل عن أعمال بدو الصحراء وقبائل البَجَا والبِشارية. أنا كنت اسمع بإعجاب بعض الحوادث .أتعجب للحروب التي تقع فيما بينهم. لكنني كنت مغرماً بحكايات النساء. أسئلتي عن الجنس وعن طرق الجنس ودهانات الجماع. هكذا أنا. حتى تشبعت من سِيدين العجوز بأن الدنيا الحقة، هي هنااااك في الجنوب، حيث الشلالات والأمطار المهولة وقطعان البقر والثيران التي يزيد عددها عن عدد حبّات الرمال عندنا! خاصة.. في تلك الهضبة الحبشية. حكى لي عن سواد النساء الخفيف الذي يقارب سمار لوننا هنا. عن حلاوة ملامحهن وثغرهن الباسم. عن عشقهن للـجـ***. يعشقن هذه العملية ولا يخجلن منها. فقط يتدللن قليلاً، لكن يقبلن عليها عالِمات أنها حق وأنها بحق هي حياة .
ولم يكن يستهوينا.. لا أنا ولا هَمَرين, حكايات الشمال, كنّا نقول إنها باردة. وأكثر ما كان يبعدنا عن التشوق للرحيل شمالاً يوما ما، هو خوفنا من البرد الذي كان يصفه لنا سِيدين بأنه يجمّد البشر ويقتلهم، وأن الأمطار تسقط أحجاراً بيضاء على رؤوس البشر وبإمكانها أن تفتح يافوخ من لا يرتدي عِمامة! ومن لا يرتدي ملابس من صوف الغنم.. يصاب بالبرد في عظامه ويسعل حتى يقيئ الدم، أو تتخشّب أطرافه وتصير مثلها مثل الأظافر، وعلى أي الأحوال يكون مصيره الموت البشع في النهاية.
ليلة تركت القرية، كانت ليلة حالكة السواد, كنت غاضباً ممرورا كارهاً وأشعر أنني سففت زنبيل رماد في حلقي, ووضعت زنبيلي رماد على رأسي .هَمَرين الذي لف ودار علىِّ حتى نجح في الضحك على عقلي التافه.. زوجني أخته .صحيح أنها ارتاحت معي وكرهت هَمَرين لأعماله الشرّيرة وغضبت عليه كما غضب عليه أبوه وأمه, لكنني كنت غاضباً إنني وقعت في زوجة هي شقيقة لصديقي الذي كان، وصرت أكرهه أكثر من العماء. ثم أن الزواج ربطني وأقعدني في قريتي وصار يمنعني من الحركة جنوباً حيث حكايات سِيدين الحلوة .
وعندما رزقني الله بابن، إذا به شبيه خاله! شيء بشع .آه. ما ذنب الطفل؟ هذا السؤال لم أسأله لنفسي إلا بعد أن ابتعدت عن القرية. رحلت متحجّجا بهَمَرين وتحجّجت بأن طفلي شبيه خاله الساحر، تحجّجت بأنني أديت واجبي نحو أختي هَكيمة وزوجتها .لكن.. ولأنني صرت في أرذل العمر، يجب أن أكون صريحاً معكِ يا تَعويضة لِسانين حتى تحكي للناس وتجعليهم يسبونني بسبب خطاياي, بسبب خطئي الكبير في حق ابني سلاطين. سبب رحيلي أصلاً.. هو أنني كنت زهقان, وكنت أتلهف على القيام برحلات مثل رحلات سِيدين .كنت في غاية الزهق، الزهق في صدري كان فيضاناً عالياً ضرب كل ضفاف الرزانة عندي إن كانت عندي رزانة وقتها .التشوق للسفر جنوباً، هذا ما تملكني وقتها وسيطر علىّ, الاندفاع جنوباً حيث يحن قلبي وأتلهف على نساء الهضبة الحبشية, وأيضاً على غابات لا تستطيع الشمس أن تتخللها. أتشوق لشلالات هائلة وينابيع متفجرة, وناس طوال طوال نحن بجانبهم أقزام، وناس قصار قصار نحن بجانبهم مردة! أتلهف على سوداوات تماماً يشبعن الرغبات تماماً. تَعويضة.. هل لاحظتِ أنني كنت أتلهف على النساء وإنني كنت أستطيع أن أكون أكثر فحولة من أقوى ثور في القرية؟ ثم أنا لا أتفق مع الرجال الملتاثين الذين يهوون النساء البيضاوات الشماليات. أغبياء عزيمتهم متهدلة.
ركبت مركباً إلى حَلفا, وبعد جندلها العريض، مركب آخر وبعدها آخر ومقصدي استمرار التصاعد جنوباً عكس تدفق أمواج النيل.. محطتي الأولى الهامة.. دُنْجُلة .وبعدها مع النيل شرقاً حتى مَروي ثم أبو حَمَدْ .ثم جنوباً لعَطْبَرة وكَسَلا ثم.. أصل مقصدي النهائي.. أسْمَره في بلاد الأحباش. حيث استمتع سِيدين كما لم يستمتع في مكان آخر.. بالنساء أقصد.آه. خطة استعددت لها تماماً وخططت لها تماماً. وكنت أتشوق لها تماماً. فهناك.. هناك فقط تكون النساء. أما بقيه نساء العالمين.. فهن أفَشْطَفوش لا يفهمن في الأمور. هضبة الأحباش حيث الأماكن العالية الصحية وحيث تكون قريباً من الله، حتى لو كنت آتياً تشتهي نساء دقيقات الملامح ملساوات الجسد، باسمات ضاحكات مقهقهات. الجَمال فعلاً هناك يا تَعويضة. تعرفين إن ذهبت أنت هناك، سوف تكونين ذكراً ويجعلونك على أكثره شيخ خفر ليس إلاّ. فأمثالك لسن نساءً بجوار نساء الأحباش .فهناك النساء وإلا فلا.
لكن قَدّر الله وما شاء فعل. تهت, وبدلاً من صعودي على فرع العَطْبَرة النيلي، صعدت حتى وصلت حواضر أم دُرمان ثم سِنّار .قلت هذا قدري .لأنظر وأعيش حيث وجهني الشيطان، وبعدها أعود لأصحح ما كان. تركت القوارب فقد مللتها, ومللت تطفل التماسيح علينا وفكوكها وأسنانها الخنجرية .وارتعبت من أفراس النهر التي كلما اقترب منّا واحد منها، أكاد أقسم بأن مركبنا سوف ينقلب .ولم أعد أعجب بمئات من القرود والنسانيس التي تلوّح لنا مرحبة ومهددة! وأيضاً كنت قد استهلكت كل الريالات التي كانت معي .وأصلا كنت في أماكن لا تعترف لا بالريالات ولا بالنقود من أصله. ثم إن النهر صار عريضاً غير عميق. والأعشاب صارت كثيفة تعترض المراكب بقوة.
الغابات وما أدراكِ يا تَعويضة ما الغابات؟ أشجار ضخمة كالجبال. أشجار كثيفة بعدد رمال الصحراء .حيوانات كل منها في ضخامة بيت لكنها لا تفترس .وحيوانات في حجم قطة لكنها تفترس من أنجباك في وجبة واحدة! طيور تلعنكِ وطيور تغني لكِ. قردة تسبك مهددة بأنيابها وقردة تقذفك بمخلفاتها ضاحكة عليكِ. هذا حَصَل! زئير وهدير وهمس. طعام وجوع. دماء وأنياب وغزلان وزراف. والناس.. الناس.. يا سلام, طوال أشداء, لغاتهم لا تفهمينها ولا لغتِك هم يفهمونها. الإشارات والابتسامات تكفي. ناس أقوياء طيبون, يعطونك نظرات ريبة أولاً، ثم ود وطمأنينة .لكن.. إن ارتابوا منكِ.. لا تفاهم سوى بالحراب والسيوف .هل تعلمين ما السبب الذي جعلني لم أعد وأصحح طريقي للذهاب إلى هضبة الأحباش؟ شاهدت بناتاً فائرات عرايا تماماً! اقسم برب العزّة هذا حَصَلْ! عاريات.أكرّر.. نساء عاريات. يضحكن لي ويتعجبن وأنا أنظر إليهن أكاد أجن. أجسادهن سوداء ملساء و** فائرة في تضوّع. في حالة عدم وجود رجال حولي، كنت أنظر إليهن وأتمعن بشبق .يضحكن ويسخرن مني. والمؤكد أنني أيضاً كنت أعجبهن. فلوني الأسمر المقارب للبني بالنسبة لهن.. أبيض كالحليب! ثم أنت لا تعلمين ما تمثله وسامتي عندهن. دقة ملامحي وشعري الناعم، وكان هذا قبل الصلع الذي اكتسحني. كنت جميلاً في عيونهن, وهن جميلات. وهذا شجعني على استكمال رحلتي.

حجاج حسن أدول 28-11-2006 01:18 AM

تابع حكاية أثمان كورنة الثانية
 
لن أحكي عن القبائل التي مررت عليها وعلى الزيجات الوقتية التي كانوا يعقدونها لي بأريحية جميلة, ولا بمن كادوا يقتلونني ثم عفوا عني لضعف بنيتي بالمقارنة بأجسادهم المربعة الشديدة. ولكني سوف احكي لك عندما وصلت إلى البحر المستدير والشلال العظيم.ياااه. والله يا تَعويضة إن النيل يأتينا من هناك! ثم.. النهر يكاد أن يكون مستديراً .تقفين على ضفة.. لا ترينَ الضفة المقابلة لك! وكأنه يماثل بحر سَكندريّا الذي حكى عنه سِيدين! ومسقط المياه صوته يصم الآذان. المياه تسقط بعنف وينفجر منها رذاذ يستطيع ري كل أراضينا الزراعية! الرذاذ فقط يا تَعويضة. استرحت في هذه البلاد. أحببت ناسها وأحبوني. بقيت في قرية قريبة تماماً من البحر المستدير.أراضيها الزراعية تقاس بمقياس خرافي، وليس بالخطوات مثل أرضنا هذه المسلولة المسكينة. ليس لديهم بلح، لكن، لديهم نخيل جوز الهند وثمرات المانجو المتوحشة الشهية. وأشجار لا يعلم حصرها إلا الذي خلقهم وخلقنا .هناك رَسِيت مؤخرتي.
في أول يوم لي أدخل كوخاً من أكواخهم.. أصابني الرعب من ثعبان ضخم بشع يتلوى صاعدا على صومعة غلال طينية داخل الكوخ! أسرعت خارجاً وأنا أصرخ مرعوباً. تعرفين يا تَعويضة.. لقد أصابني الرعب من أمور كثيرة في رحلتي هذه .ناس القرية ضحكوا علىّ. أعادوني وهم يحاولون إفهامي.. هذا الثعبان القوي لا يؤذيهم! ماذا؟ لا يؤذيهم! والله حتى ليلة هروبي من هذه القرى.. لم أطمئن لثعبان منها أبداً. عندنا الثعبان بطول *** الرجل ونهشة منه يحط الموت فوراً، فكيف لا أخاف من ثعبان بطول الرجل نفسه؟ كلما رأيت ثعباناً تجحظ وتبرق عيناي خوفاً. أكاد أتبول على نفسي, فصاروا يبعدون الثعابين من كوخي بكل لطف حتى لا تغضب منهم! هذا حَصَلْ .
أعجبت بسوادهم الفاحم, سواد لا يلمع وإن دهن بدهن الجاموس .ليسوا عرايا،شبه عرايا .مئزر بسيط مربوط في خصرهم ويغطي حتى منتصف الفخذ. لكن.. عند حركاتهم.. ينكشف كل شئ! سواء كانوا ذكوراً أم إناثاً! ونساء يغطين صدورهن بشيء بسيط لا يغطي إلا **** ودائرتها ومجرد مساحة عرض إصبع بعد ذلك. أي لا شيء خاصة أنهن ينحنين كثيراً في حركاتهن وأعمالهن. وإن سقط هذا الشيء الذي يغطي أعلاهن، أو ما يكاد يغطي أسفلهن.. فلا بأس. ولا يتمعن أحد فيهن! كنت أنا من يتلصص على مواضعهن. لكن مع الوقت صار الأمر عادياً مملاً, إلا مع بعضهن ذوات الجمال الواضح.. فأنا كنت لا أزهق من التمعن في الجميلات أبداً .وكلهن أفخاذهن وسواعدهن قوية, كلهم رجال ونساء وأطفال يحبون النظافة مثلنا, لذلك عرقهم الغزير من الحرارة الشديدة، لا يكون له رائحة .لم أتعجل قبول أي بنت من القرية .قلت أستريح قليلاً وأختار بمزاج. لكن.. حضر لي وفد فخيم، حرَس مَلكي أخذني من القرية إلى قرية الرياسة، التي ترأس العديد من القرى .رجال شداد وعليهم مهابة .وفي القرية الرئيسية.. كانت حكايتي

حجاج حسن أدول 28-11-2006 01:18 AM

تابع حكاية أثمان كورنة الثانية
 
حروب فيما بينهم. رئيس القبيلة.. قوي أكثر من الكاشف التركي هنا لكنه منهم,مثل ملك. لم أره إلا في المناسبات الاحتفالية. لكن الحرس الملكي الذي أتى بي، لم يكن حرس الملك. بل كانوا أتباع عائلة من كبريات عائلات تلك القبيلة الكثيفة العدد والتي تسكن العديد من القرى. الحرس كانوا من أتباع عائلة تلك السيدة التي مازالت تأتيني في كوابيسي, والتي أتلفظ باسمها وأنا سكران سكراً بيناً. تلك التي اختارتني زوجاً.. ماجيتا. وكان يرأس الحرس، شقيق ماجيتا الذي خُفت منه في البداية، لكن بعد ذلك صادقني واحبني، فصادقته وأحببته, حتى كان هو السبب في خلاصي من أخته ماجيتا .لقد جاء كال، وهذا هو اسمه, جاء إلى القرية التي كنت فيها ليعاينني ويتأكد من وسامتي! لأن شقيقته ماجيتا سمعت عني وعن وسامتي فطلبتني لها زوجاً! هذا حَصَلْ.
وفي قريتها الكبيرة وعلى بعد ما من مقر زعيم القبيلة, سكنت في كوخ تابع لكوخها الرئيسي, ليس كوخاً صغيراً، لا .هو واسع وإن كان من غرفة واحدة .لا كَنَب، لا سرير، لا صندوق سحّارة. فقط صومعة حبوب وركن لإشعال نار صغيرة إن اضطرت المرأة لذلك. فكل شغل المرأة خارج الكوخ. من دق الحبوب بالعصي الضخمة والغسل والطبخ. لكن المضاجعة تكون بالداخل. أما *** السرية، بين الرجال ونساء لسن زوجاتهم, ففي الغابات وما أكثر الأماكن في الغابات. ثم أن *** مع غير الأزواج، دائماً تكون ألذ وأحلى، هذا إذا توافر الأمان. إذا كنت قد جربتِ فأنت تصدقينني عن تجربة، وإذا لم تجربي، فهذا لأنك قبيحة ولم يوافق ذكر على (الاقتراب منك) غير من كان قضاؤه وقدره أن يتزوجك، وسامح الله ربّك الذي خلقك بطيئة الجمال.
حفل الزفاف كان بسيطاً. النساء فرحات بزوجتي ماجيتا وبي. الرجال فرحون، عدا رجل واحد. عرفت بعدها أنه كان زوجها السابق, وأنها طلقته لتتزوجني! هذا حَصَلْ. رغم إنجابه منها ثلاثة أولاد أصحاء أقوياء .فهو أطول وأضخم منى .بالطبع إن كان يمتلك *** يتناسب مع ضخامة جسده، فهو أكثر فحوله مني بدون تفكير. لكن ماجيتا تريدني أنا. ولم أفهم السبب إلا متأخراً. إنها تريد إنجاب بنات مثلي, جميلات. كانوا معجبين بشعري ولوني وعيوني. ولولا خشية بعض النساء من ماجيتا وشراستها، لكُنَّ اغتصبنني كل ليلة! لكن ماجيتا شرسة ومرعبة. وعائلتها من أقوى العائلات في القبيلة كلها. وعرفت بعد ذلك أن زعيم القبيلة كان أباها .ثم نحّاه الزعيم الحالي واستولى على بيوت الحكم.
عندما وقفت أمام كوخ ماجيتا وشقيقها يقف بجانبي، هذا قبل الزواج.. خرجت ماجيتا من الكوخ. يا الله .عليها مهابة ووقار وأنوثة وقوة طاغية .تأملتني كثيراً. اقتربت فشممت رائحتها العطرة. تحسست جلد صدري وبطني ثم أخذت طاقيتي بيد وبالأخرى داعبت شعري وهزت رأسها علامة الرضَا.. ثم نظرت باسمة إلى أخيها .
بعد ليلتين كانت حفلة بسيطة عقدها ساحر عجوز هو الذي يدعو للمطر بالهبوط إن تأخر. وجبة عشاء للحضور الكثيرين الجالسين صفوفاً على حصر. قرعة جافة مليئة باللبن الرايب في يد كل فرد, وبجانب كل منهم ورقة شجر عريضة عليها فطيرة المانجو. بارك الساحر الطعام. وباركني أنا وماجيتا. وقامت رقصات شارك فيها الرجال والنساء .طبول تتكلم ودفوف تصيح ومزامير تتأوه وتتأود .غناء من كل الأفواه الحاضرة.
صارت ماجيتا زوجتي .وبعد شهور علمت شروطها التي تلتها على وقتها ولم أفهم.. شروطها أن أكون لها وحدها .ولا اقترب من امرأة أخرى وإلاّ فمن حقها قتلي .وألاّ أهجرها إلا بعد أن انجب منها ثلاث فتيات .وهي عليها التكفل بحمايتي وإطعامي وتثبيت مكانتي في قبيلتها .
وبعدها فهمت لماذا اختارتني أنا.. أصلا هم مثلنا.. قبيلة واحدة وان كانوا عدّة قرى.أعدادهم وفيرة. معارك بين عائلاتهم على الزعامة .مثلما عائلاتنا تتنافس على العمودية والمكانة. عائلة ماجيتا من أكبر وأفخم العائلات عندهم, والزعامة لعائلتها غالباً .وقبل حضوري بمواسم أمطار قليلة، الزعيم الحالي قتل أباها واستولى على الحكم، بحجّة أن أمه أقرب قرابة للزعيم الأسبق الذي مات ومن بعده استولى أبو ماجيتا على الحكم .أصلاً هم يعتبرون الأم هي الأصل وإن كان الزعيم الحاكم هو الرجل.
الزعيم الذي كان موجوداً حين وصلت أنا، جعل معه الكثير من الكارهين لعائلة ماجيتا والكثير من الجند. يئست ماجيتا من استعادة حق أسرتها في الزعامة عن طريق القوة.. ففكرت في طريق آخر.. أسلوب الجنس وإغراء المرأة وسلالة فتيات جميلات. عندما سمعت عني وعن وسامتي ونعومة شعري، اختارتني زوجاً لها لتنجب مني ثلاث بنات .والثلاث بنات يتزوجن من ثلاث فتية من أهم ثلاث عائلات كبرى في القبيلة .على أن يكون أحد هؤلاء الفتية من أحفاد الزعيم الحالي .ومن المؤكد أن الزعامة سوف تكون لأحد من أبناء هؤلاء الفتيات, خاصة أن الزعيم يجب ولا بد أن يكون من سلالة كبار القوم من ناحية أمه, أبوه ليس هاماً!
آه، إن كيدهن عظيم يا تَعويضة .تفعل مثلما فعل العرب في بلادنا .استغلوا أن الميراث كان عندنا لابن الأخت، فتزوجوا بنات كبار قومنا فأتتهم الزعامات. وعندها.. قالوا إن الإسلام لا يقبل بهذا! فالميراث يجب أن يكون لابن الرجل والمرأة وليس لابن الأخت! بعدما أخذوا كل شيء.

حجاج حسن أدول 28-11-2006 01:19 AM

تابع حكاية أثمان كورنة الثانية
 
ولماذا ماجيتا تريد أن تنجب مني ثلاث فتيات؟ والله أنا لم أكن أعرف .تقول أن رقم ثلاثة له شيء عندهم.. شيء مقدس .مثل رقم سبعة عندنا .والسحر عندهم سحر قوي سليط .وساحر القبيلة أكد لها.. إن أنجبت ثلاث بنات جميلات، فسوف تعود الزعامة لعائلتها. بعد ذلك قال لها إنني لن أعطيها إلا اثنتين فقط .ابن الكلب .لو كان قد اقفل فمه، لهربت من ماجيتا بعد موسم أمطار واحد. رجل مشعوذ ساحر عرّاف .كان يخاطب السماء ويرقص لها ويناجيها ويرفع صوته غاضباً ومستعطفاً.. تسقط الأمطار فيرتوي الزرع ويرتوي الحيوان والإنسان وينساب الخير في القبيلة كلها! هذا حَصَل.
وهي.. ماجيتا، كانت تؤدي طقوساً غريبة قبل اقترابنا من بعضنا .كنت أكاد أموت خوفاً منها وهي تفعل ذلك .لكنها تعرف بعدها كيف تبث الطمأنينة في نفسي. تعرف كيف تغريني حتى أكاد انفجر رغبة. وتعرف كيف تهدئني لأكون رزيناً تؤداً فلا تكون ذروتي قبلها ولا بعدها. ياااه .ماجيتا امرأة ولا كل نساء النوب .ولا حتى كل نساء هضبة الأحباش .عوضتني عنهن خيراً. فقط لو كانت تركت مسألة الزعامة وتهديدي ووعيدي إن تركتها.. فقط لو كانت استكفت (بما نفعله) والحياة العائلية بعيداً عن حلمها المجنون بالعائلة وحق العائلة في الحكم.. لو تركت هذه الأوجاع.. لكنّا استرحنا سوياً وعشنا عيشة سعيدة طوال مواسم أمطار عديدة .هذا لو نسيت أنا الآخر ابني الذي تركته ورحلت .
في الليل.. نقيق الضفادع وصرير الجنادب يا الله .إن ما نسمعه في قريتنا هذه لا يعتبر نقيقاً ولا صريراً .يا تَعويضة النقيق هناك وكأن نمور تنق! والجنادب وكأنها ذئاب تصر .ولولا أنني تعودت قليلاً على هذه الأصوات خلال رحلتي بالمراكب، لما استطعت أن (اقترب من) ماجيتا وأنا أسمع هذه الأصوات التي تصيب بالخبال، والتي يتداخل معها زئير الأسود وعواءات أبناء آوى، وصياح الطيور جارحة وغير جارحة.
في الصباح.. دقات الأعمدة الخشبية في الهاونات الخشبية .في إيقاع منتظم تدوّي..
بومبا..بومباا..
بومبا..بومباا..
النسوة لا يتعبن من هذا المجهود الوافر. دائماً يطحن شيئاً ما.. كسكسي, فول سوداني, ذرة عويجة, لذلك أياديهن لا تقل قوة عن أيادي الرجال إلا قليلاً .النساء كنّ يرتحلن في النهر بالقوارب الخفيفة ذاهبات إلى حيث أراضيهن الزراعية .هن من يقمن بالزراعة! هذا حَصَلْ .لتعلمي يا لِسانين إننا هنا ندللكن كثيراً, كان يجب أن ندفعكن للعمل في الزراعة لننشغل نحن بتدخين الدخان وتجرع العرقي.
كن يحببنني ويتلذذن بمداعبتي والضحك معي رغم أنني لم أتعلم لغتهن وقتها .تعرفين من الذين كانوا يعلمونني لغتهم.. أولاد ماجيتا من زوجها الذي سبقني! أحبوني الثلاثة الذين كاد أكبرهم يدخل طور الرجال. لم يهتم أحد منهم بأن والدهم يكرهني وهددني أكثر من مرّة بالقتل. هم من علموني الكثير من طباعهم وكانوا يحبون ويجلون أمهم ماجيتا .وأحبوني لأن ماجيتا أمهم أحبتني. بل كانوا يتمنون أن لو كانوا أبنائي أنا ليرثوا جمالي! أصغرهم من أطلق على اسم.. أُثماديلّو. كال شقيق ماجيتا أعجب بالاسم. وكال هذا حاول أن يعلمني بعض فنون القتال بالرمح, من الدرس الأول يئس مني لكراهتي للقتال ولضعف جسمي بالنسبة لهم. هناك عرفت أنني جبان، هذا والحق يقال. ماجيتا علمتني الكثير, خاصة في الأمور التي بين الذكر والأنثى .كانت امرأة بحق، لكنها كانت تخيفني، حتى وأنا في لهفة على جسدها وهي في لهفة أحرّ. أنها تحاول بث الطمأنينة في قلبي فتفتش الكوخ وأنا أتابعها حتى أتأكد ألا ثعبان هنا, وإلا.. فلن أكون رجلاً أبداً، ثم كانت تدهن صدري وبطني و.. بدهان خاص. ثم كانت تجلس أمام إناء صغير به سائل فاتح. تأخذ من الإناء بقبضتها وتدهن به صدرها وبطنها وفخذيها. ثم تتحسس (نفسها) وهي تتمايل وتغنج وتقول مالا أفهمه وما لم أفهمه حتى بعد أن عرفت الكثير من كلمات لغتهم. تكرر كلمة معينة العديد من المرات في رجاءات عميقة. بعدها عرفت أن هذه الكلمة هي اسم ابنتي الأولى! تطالبني بأن أتحسس بطنها... ثم تأتي خلفي وتتحسس ظهري وهي تتمتم باسم ابنتنا الأولى ثم الثانية ثم اسم الثالثة التي لم تأت. عيناها وقتها تشعان ما يجذب ويرعب. وقتها أرى عينيها وبهما الكثير من عيني الثعبان! تضاحكني وتلاطفني وتربت على بحنان حتى أهدأ .لا تتركني *** الفعل. تبقيني طويلا. ثم تتركني وقد رضيت عني، تنظر إلي بعينين رحيمتين كما عيني أم.
قبل كل غروب، تنوي فيه ماجيتا (على الاقتراب مني)، كانت تأتي ببقرة صفراء شابة جميلة. تنظر إليها وترسم على التراب أشكالاً مربعة ودائرية ومثلثة وتخط خطوطاً غريبة وهي تهمهم. البقرة اسمها كان مدخولاً في أسماء بنتي! رفضت ماجيتا اسم هَكيمة عندما ناديت به ابنتنا الأولى مراراً .ولما اشتد غضبها امتنعت أنا عن نطق اسم هَكيمة .للعلم.. أنا جبان, خاصة أمام ماجيتا .وابنتنا الثانية، حاولت إطلاق اسم نَبرَة عليها .لكن ماجيتا رفضت بعنف وتهديد .إنها تريد أسماء معينة لها في شرعهم وتقاليدهم قوى معينة سوف تساعدهم مستقبلاً في تحقيق أمور ما غريبة.

حجاج حسن أدول 28-11-2006 01:20 AM

تابع حكاية أثمان كورنة الثانية
 
كال أخذني في رحلات صيد مع الرجال .كلما وجدت زوج ماجيتا السابق أمامي ينظر لي نظرات التهديد والوعيد، كان كال يطمئنني.. أن هذا الزوج السابق أجبن من أن يؤذيني لأنه يخشى كال ويخشى ماجيتا أكثر .هذا كان صحيحا .ولكن ليس هذا ما حَصَلْ, فقد غفل عني كال يوماً، فهجم على هذا الحاقد برمح صائحاً كأنه يهجم على أسد وليس على أثماديلّو الضعيف. لحظتها قلت خلاص.. أنا مقتول مقتول. لكنه رشق الرمح على الأرض بجواري وهو يضحك ضحكات شامتة من جبني. ضحكات استعراض للرجال من حوله الذين ينظرون إليه في لوم .كأنه يقول لهم.. انظروا إلى هذا الضعيف الجبان الذي لا يستطيع القتال، والذي فضلته ماجيتا علىّ أنا! كال جاءه بحربته وكاد يحدث بينهما نزال .لولا أن الرجال منعوهما. وبعدها عرفت أنه تم تكوين مجلس عائلي. فهذا الزوج السابق الحاقد على، من عائلة ماجيتا. أصدر المجلس لوماً على الزوج السابق وأجبروه على دفع غرامة.. ثيران وبقر، ورغم هذا لم تسترح ماجيتا.. فذهبت إليه في كوخه ومعها أبناؤها الثلاثة .عَيّرته بأنه لا يهتم بالعائلة وحق العائلة في تولي زعامة القبيلة. عيرته بأنه غبي أناني .أهانته في حضورهم.
الفتيات كن يمازحنني, لكن ماجيتا لم تكن تغار علىّ منهن .كن يداعبن جسدي وشعري. أحيانا يخطفن لمسة سريعة من *** .فأصرخ وأهرب منهن فيضحكن .خاصة بنت منهن طويلة فائرة, أطول منهن كلهن. لكن ماجيتا كان تحذر النساء المتزوجات من الاقتراب منّي أكثر من اللازم. تغار منهن. تخشى أن التحم مع إحداهن وأنجب منها من هن مقررات لها هي..البنات الثلاث .
أول موسم أمطار.. فاجأني المطر .شيء مهول .شيء لا يصدق .لكن هذا ما حَصَلْ. وكأن السماء فتحة كبيرة تتدفق منها المياه على بيوتهم الخشبية، فلا تأخذ منها سوى الطبقة الخفيفة من الطين التي يغطون سقوفها بها .كأن السماء هي النهر المستدير والشلال يقع منها! وناس القبيلة يغنون ويرقصون فرحة بكل هذه المياه المهولة. لماذا لم أعلم إلا بعدها.. فبدون هذه الأمطار لا محاصيل ولا ثمار على الشجر.. وتموت زراعاتهم التي تعتمد على المطر وليس على النهر! جوع يتهددهم حينما لا تأتى الأمطار. الأمطار نعمة لهم. تعرفين يا تَعويضة.. لو أن هذه الأمطار هطلت على قريتنا دقيقة واحدة.. لباشت كل بيوتنا وذابت وانحدرت طيناً لتسيل في النهر! أصل بيوتهم من أغصان الأشجار، وسقفها مسقّف بأوراق أشجار عريضة ملساء عليها طبقة رقيقة من الطين, وبطريقة تنزلق من عليها الأمطار بدون أن تتسرب إلى داخل الأكواخ! فن.
موسم الأمطار الثاني، كانت ابنتنا الأولى مازالت ترضع .لكنني خلاص.. تضايقت.لم أعد أطيق البقاء .مللت حتى جسد ماجيتا الذي ألهبني في السنة الأولى. مللت طقوسها التي تفعلها معي كلما نوينا (على الفعل) .لم تعد تثيرني .ماجيتا صارت قلقة من قلقي وتجوالي الزائد في القرية وخارج القرية بقليل. أكد لها الساحر العراف أنها سوف تنجب بطنين ببنتين فقط وليس ثلاثة. كيف عرف؟ لا أعرف. صارت ماجيتا تهددني وترعبني .أخبرني ابنها الصغير وهو خائف أن ماجيتا تجمع أعشاباً معينة. طبعاً شيء لا يخصني. في فجر اليوم التالي، ذهبت ماجيتا إلى الغابة. عادت قبل شروق الشمس مبلّله بالعرق. وفي الفجر الذي يليه والذي يليه .ثلاث مرات .وفي الغروب الثالث.. أخذت صرّة قماش صغيرة وأخذتني خلفها وذهبنا إلى ركن فسيح داخل دغل من نخيل جوز الهند. بداية الليل. أحسست أن في الأمر شيئاً ما. شيء يخيف.أشعلت ناراً صغيرة. خلعت إزارها فصارت عارية. أمرتني بأن أكون عارياً مثلها. تربعت ماجيتا بجانب النار، ترش عليها أعشاب وشظايا ضئيلة من خشب .الدخان يتصاعد على هيئات ما. ماجيتا تتلو كلمات وكلمات والعرق يشر منها، وهي تهتز بحركات راقصة يمنة ويسرة للأمام وللخلف. وأنا أقف على الجانب الآخر من النار، عارياً ومرعوباً على بعد خطوات منها ومن النار. هبّت واقفة.. التفتت إلى وأشارت لي فأقبلت ووقفت على الناحية المقابلة منها..النار صارت بيننا .عيناها في عيني. صاحت مهددة..
-أُثماديلّو.. تجنب غضبي .فأنا لا أرحم من أغضب منه. ستبقى معي حتى ينقطع عني الطمث, أو أنجب منك ثلاث بطون من البنات. بعدها أتركك تعود شمالاً حيث قريتك وابنك. لن أتركك مهما أكد لي العرّاف بأن نصيبي منك بطنان فقط .أُثماديلّو.. إن تركتني سوف تلحق بك عواصفي.
وهنا.. تأجّجت النار الصغيرة، وهبّت منها هَبّة تحمل معها دخاناً محملاً ببقايا الأعشاب المحترقة. هبّة الدخان هذه زحفت على الأرض وشفطت بقايا ورق شجر ثم صعدت بها عالياً واتجهت ناحيتي ولفحتني، فاهتز جسدي وكأنها عاصفة جُنيب وليست مجرد هبّة ريح صغيرة. صرخت رعباً عدوت وتخطيت النار بوثبة وألقيت بنفسي في أحضان ماجيتا صارخاً..
-ماجيتا..ماجيتا .لا .لا .لن أهجرك يا ماجيتا .
ماجيتا تربت على ظهري..
-لن تهجرني حتى لا تخطفك هذه الريح يا أُثماديلّو وتلقي بك كالحيوانات النافقة، جثة لا تُدفن .وتصير طعاماً للوحوش والجيف.
أصابني الرعب وضربني الهلع، أيضا أغرقني الملل. لم أعد أفرح باللعب مع طفليها الصغيرين ولا الحديث مع ابنها الكبير. لم أعد أهتم بالخروج للصيد مع كال. ابنتي الأولى دائماً مع أمها. أحببتها.. فهي قطعة من أختي نَبْرَة وهَكيمة .لكنني كنت أتذكر ابني الذي صار اسمه سلاطين.. أحن إليه وإلى ناسي. ولم تكن ماجيتا تترك يوما دونما تحذير أن أفكر في الرحيل من قريتها.موضوع عائلتها وحكم القبيلة كان شغلها الشاغل.

حجاج حسن أدول 28-11-2006 01:21 AM

تابع حكاية أثمان كورنة الثانية
 
الأمر الذي كان يريحني ويسليني، صناعة الخمور وشربها. كال كان مثلي محباً للخمر. يصنعها بنفسه .علمني..سوياً خمّرنا المانجو والموز والذرة .صرت خبيراً مثل كال .والأمر الثاني الذي يسليني.. هو المزاح مع النساء والبنات .الذهاب معهن في عملية الزراعة تاركاً أمور الصيد الرجالية. كنت أحب متابعة الطيور.. بالآلاف .بجع وغرانيق وبلشون اللقلاق. عندما تطير ألوف مؤلفة، كانت تغطي النهر وتصير وكأنها حصيرة شاسعة شاسعة تحمل كل ألوان الدنيا بها. وحين تطير الطيور عالياً في صيحات متنوعة كانت تغطي الشمس والأفق كله .وكنت أحسدها .فهي تطير إلى حيث تشاء، وأنا حبيس هذا السجن. حبيس جسد ماجيتا .والأسوار هي تهديدها ووعيدها.
يوماً كنت أسير مع بضع نساء داخل الغابة. لا حظي ما أقول.. بضع نساء. الغابة كثيفة وداخلها كأننا في الليل رغم أننا في عز النهار! انفرجت الغابة قليلاً فإذا على بعد ليس بعيد بالدرجة المطمئنة.. إذا بمجموعة من السباع راقدة في تكاسل وهي تنظر إلينا في إهمال وعدم تقدير! أسدان وسط مجموعة من اللبؤات والأشبال. تقهقرت مرعوباً والنساء اللذين معي يسرن نفس سيرهن فلم يجرين ولا حتى زدن من سرعة خطواتهن، وكأن مجموعة السباع هذه ليسوا إلا مجموعة قطط! ضحكوا مني وأنا أحذرهم وآمره بالرجوع للاحتماء في الغابة. قلن إن السباع في راحتهم بعد أن أكلوا فريستهم. عادت اثنتان من النساء وأمسكن بي وسحبنني طوال المسافة المكشوفة حتى دخلنا الغابة الكثيفة مرة أخرى، فتركنني أبتعد بسرعة جانباً وأفرغ بولي الذي كاد يفضحني وينسكب رغماً عني ليبلل سروالي. أقول لهن ربما كان أسد منهم أو لبؤة أو حتى شبل، أحدهم لم يشبع تمام الشبع فيأتي إلينا. أو حتى أحدهم يريد أن يسلي نفسه فيطيح بنا ويمزقنا لمجرد أن يمزق بني آدم. النسوة يضحكن من غبائي ومن خوفي.
سخر مني الرجال لتفضيلي صحبة النساء .والنساء أحببن تواجدي معهن .البنات كن يبالغن في مزاحهن وأمهاتهن يضحكن بقوة وهن مطمئنات عليهن منى وآمنات على منهن. يبدو أن العذارى بعيدات عن الجنس الفعلي حتى يتزوجن .رغم أن واحدة منهن كانت مصيبة .جسدها مصيبتان. كانت الطويلة, هي أكثر العذارى جرأة وأكثرهن ملامسة لي .تزوجت بعد موسم الأمطار الأول الذي مرّ علىّ عندهم. ولما دخلت في عداد النساء، لم تعد تمزح معي المزاح الثقيل .لقد صارت سيدة، وعندما كنت انظر إليها نظرة اشتهاء.. كانت تحذرني بنظراتها .هل تظنين يا تَعويضة أن هذه المرأة الصغيرة الفائرة، هل تظنين لو هي اقتربت مني.. كنت أجرؤ على (أي شيء)؟ مستحيل .ماجيتا لها هيبة تجعلني لا (أقترب) أبداً مع أي أنثى غيرها.
موسم الأمطار الثالث، ووضعت ماجيتا ابنتنا الثانية. ظنت أن فرحتي بابنتنا الثانية، سوف تدفعني إلى البقاء .لكن لا.. فرحتي بالابنة الثانية أنستني مرض الحنين لقريتي زمن مرور قمر، قمر ونصف قمر. لكن عدت للضجر .خافت ماجيتا أن استغل انشغالها بالابنة الثانية فأهرب. أعصابها صارت تثور سريعاً .
ذات ليلة.. كانت ليلة صعبة يا تَعويضة. ابنتنا الصغرى تبكي. والابنة الكبيرة تبكي.. بكاؤهما عال وكأنهما اتفقتا على عمل غضبة احتجاج نيابة عن أبيهما. ماجيتا في حالة لم أرها عليها من قَبل. تركتهما ماجيتا على فرشة واحدة في جانب من جوانب الكوخ .أتت لي .نضت عنها رداءها .ثدياها اشد امتلاء. منتفخان باللبن. بجذبة واحدة مزقت ردائي وعرّت جسدي. وقفنا عاريين أمام بعضنا. الشر والتهديد في عينيها وفي عيني الخوف, فأنا جبان. ركعت أمامي فصار وجهها أمام *** تماماً .أمسكت *** في قسوة ثم جذبته جذبة قوية ثم تركته. صرخت أنا ثم عدت للهدوء الجبان .والله وقتها خفت أن تكون قد انتوت قضمه! لكن الرعب جعلني اقف كالصنم .فقط ركبتاي ترتعشان وقلبي ينتفض والعرق غزير غزير يبللني تماماً. تركز نظراتها على) حالي) حتى انتفض .ليس انتفاض شهوة .أبداً أبداً .انتفاض طاعة لنظراتها. بللت مقدم أصابع يديها بلسانها *** وقالت..
-لا تهرب مني .لا تبتعد .لو مت يا أُثماديلّو هنا، أو فَهم أعدائي ما أخطط له فأوقفوا نسلك قبل أن أنال البطن الثالثة فهذه إرادة الإله .لكن لو هربت..فهي إرادتك أنت .ولن أسامحك .لن تكون لغيري قبل البطن الثالثة يا أُثماديلّو، أو جفاف طمثي .أُثماديلّو.. هذا الذكر لن تتمكن من (الاقتراب من غيري) يا أُثماديلّو .لن تفعل مع أي واحدة لا زوجة ولا عشيقة.
هذا حَصَلْ, وهكذا قالت رغم أنني لم أفهم كل كلامها. وكان قولها هو القول الفصل. من بعد هروبي منها، لم اقترب من أي أنثى .آه يا ماجيتا .لعنة الله على شَرِّك .لعنة الله على سحرك .أعطيتك بنتين، فما لزوم لعنتين تصبينهما، واحدة على أم رأسي والثانية على أم (حالي)؟

حجاج حسن أدول 28-11-2006 01:21 AM

تابع حكاية أثمان كورنة الثانية
 
كال ساعدني في موسم الأمطار الرابع .وقد تبين تماماً أن ماجيتا لن تنال البطن الثالثة مني. وكأن سحرها انقلب أيضاً عليها. بين لي كال أن ماجيتا هددته إن ساعدني .تعلم أنه صار صديقاً لي. تعلم كم هو طيب معي .حذرني من لعنات ماجيتا ساعدني لأنه يعلم صدق العراف, وأنه لا فائدة من حبسي عندهم. سوف يشرح لها بعد أن أهرب وسوف تهدأ, فلا أحد يعاند القدر. حتى ماجيتا التي تفعل كل ما تفعله من أجل عائلتها, يجب أن تعلم أن قدرة الإنسان محدودة. قلت له سوف أفك كل سحرها في قريتي. حذرني بأن أي ساحر ضعيف لن يستطيع ذلك. يجب أن يكون ساحراً متيناً لا يقل قوة وعلماً عن قوة وعلم السحر في قريتهم. طمأنته وكلي أمل في هَمَرين .خلال رحلة عودتي، كنت ملهوفاً للعودة. لم أعط الفرصة لسحرة بعض القبائل .وهم أيضاً لم يكونوا مهتمين بي اهتماماً كبيراً، لأنني مجرد غريب عابر .وكانت العودة طويلة مثلما كان الذهاب, لكن.. لا نساء. عودة عجيبة مثلما كانت عجائب الذهاب .فلا مال معي .مجرد خبرة في صنع الخمر لاتهمهم, عندهم من هم مثلي وربما أفضل مني.
ذات ليلة كال أخذني وسار بي في طرقات الغابة متجهين شمالاً .قال إنه يفعل هذا لأخته أولاً ثم لي .فماجيتا رغبتها المحمومة في استرداد الزعامة للعائلة، تجعلها تصر على الابنة الثالثة .لتزوج كل واحدة لفتي من العائلات الثالث المنافسة .ولو كانت العائلات المنافسة أربع عائلات، لطلبت منى فتيات أربعة .ثم بعد الفتيات المطلوبات، عليها بإنجاب العديد من الأبناء الذكور المقاتلين.
وبعد مسيرة يوم كامل .احتضنني مودعاً طالباً مني ألاّ أدعو بالشر على ماجيتا. وعدته بذلك من أجل خاطر ابنتي وأولادها الذين أحببتهم وأحبوني، من أجل كال الذي أحببته وأحبني. لكنني بعد أن تعذبت من لعنة ماجيتا .وعدم عثوري على ما يكسر سحرها. وبذلك فقدت (رجولتي) للأبد وصرت أُثمان بدون..لعنتها مراراً وتكراراً .
عدت .وأبلغت مراسيل هَمَرين بمطلبي، فطلب مني هَمَرين أن أكون تابعاً له مقابل أن يفك سحر ماجيتا .لكنني رفضت. خشيت أن أسيء لسلاطين ابني بتعاوني مع خاله الساحر المكروه, يكفيني ما يحمله لي سلاطين من غل. والشيء المضحك.. أن سلاطين كان سيرضى عني قليلاً.. إن أنا تعاونت مع خاله الساحر هَمَرين! أى إنني عندما حاولت أن أكون نافعاً له, جالباً لرضاه.. لم أكن كذلك!
وها أنا أُثمان بدون .أحن لابنتيّ .وأحن أحيانا لماجيتا وأولادها وكال شقيقها. لكن عذابي الأكبر هو رؤيتي لابني سلاطين وهو يتعذب.
هذه هي حكايتي التي كنت أخفيها عنك وعن كل ناسنا .لك يا تَعويضة أن تحكيها بدورك لكل الآدَمِير أولاد آدم وهَوّا.. فلم يعد يهمني شيء.. لم يعد يهمني شيء.
****
انتهينا من حكاية أثمان كورنة الثانية

حجاج حسن أدول 01-12-2006 12:23 PM

حكاية هَمَرين
 
حكاية هَمَرين بدأت منذ كان طفلاً في القرية .من جيل نُوري ابن العمدة. تعلّم مع نُوري فَكّ الخط وحفظ أجزاء من القرآن الكريم .فكان هَمَرين هو الواعد في جيله .لم يدخل في أمر إلا وكان الأفضل. حتى في إكتساب خبرة تجبير كسور العظام واستخدام طب الأعشاب. ولولا تعاليه على المهنة لكان هو مجبّراتى وطبيب القرية والقرى المجاورة بدلاً من يونس المجبّراتي, لكنه سمع بتشوق ولهفة من الرحالة سِيدين، سمع عن رحلاته إلى المناطق الجنوبية وطبائع ناسها ومحاور خبراتهم .بينما كان رفيقه أُثمان يستمع ويركز كل انتباهه على النساء في كل منطقة ومواطن جمالهن.
وعندما دخل هَمَرين سن المراهقة نضج جسده سريعاً وطموحه كان أسرع. طموح بلا حدود. وفي مراهقته هذه وقعت أغلب تحوّلاته الحادة .رغم نشاطه الجم وعلاقاته الكثيفة المتشابكة بناس القرية والقرى المجاورة، لم يتصور إنسي واحد أن ينقلب هَمَرين هذا الانقلاب المفاجئ .لم يشعر بما في قلبه أحد .نَبْرة أحست بالنار التي داخله، ثم تخلّت عنه عندما تهجم عليها. داخل عائلته، لا أبوه ولا إخوته رصدوا نفسه الشريرة رصداً عالماً عدا أمه التي أوحى إليها قلبها .أعلنت خوفها لأسرتها أكثر من مرة أن يأتي يوم يفجعها فيه ويدنّس اسم العائلة ..هَمَراب. ندمت أشد الندم انها أسمّته باسم جدهم الكبير هَمَرين.
من صغره يترقب يوماً يكون عمدة البلد, وبعدها زعيم كل القبائل النوبية. ومرّة واحدة تكلّم عن مملكة يكون فيها هو الملك. مرّة واحدة سمعه فيها نُوري وأُثمان, لكنهما أرجعا ذلك إلى كَون هَمَرين في حالة سُكْر بَيّن. تشبع غروراً بذكائه الحاد وقوة جسده الربعة .امتلأ سخطاً لأن أباه رجل عادي ولا يملك إلا أحد عشر نخلة وخمسة قراريط من الأرض.
أحب نَبْرة وتيقن في نفسه أنه الأحق بأجمل بنات القبيلة. لاعبها، رافقها وتابعها. أُعجبَت بذكائه. أحبت قوة شخصيته وقوته الجسدية .انبهرت بالكتب التي يحصل عليها بمشقة، يقرأ عن الفلك والمسارات وارتباطها بالبشر, عن التاريخ القديم والممالك والحروب والهجرات. جلساته الطويلة في أعلى سفح الجبل أعلى من أعلى صف من البيوت.. اختياره لزوايا معينة من صلد الجبال الجرانيتية ترتد منها أشعه الشمس ثم قوله إن فيها شفاء وفيها مرض إن أساء أحد استخدامها. فضّلته نَبْرة على منافسيه، مالت إليه ولم تأبه بمنافسه ذي المكانة، نُوري ابن العمدة. هَمَرين داهمته نيران الجنس مبكراً وغلبته وفعل فعل شاذ (... ) ضبطوه فتندروا عليه لكنه لم تخزه فعلته. نجح في إقناع نَبْرة بأن ما يقال عنه مجرد حسد ومحاولة لتحطيم سمعته، صدقته لأنها تريد تصديقه. ثم بدأت تخشاه من نظرات عينيه الواسعتين العسليتين اللتين كانت تحبهما من قبل. بدأت تتنبه لشرّه حين صرّح لها بأنه أولى بالعمودية وليس نُوري الساذج الذي لا يمتلك أي موهبة. وإنه سوف ينتزع العمودية ويأتي بها لأسرته هَمَراب! يستمر في الاندفاع فيصرح لها بأن نُوري مجرد محظوظ لا يستحق إلا أن يكون غفيراً .
صُدمت عندما تهجم عليها وحاول أن يأخذ جسدها . ولما قاومته صفعها. عضته فخنقها بطرحتها ووجهه يلامس وجهها وأنفاسه تهب عليها محرقة وعيناه في جحوظ غلّ. أحس بنفسه يكاد يقتلها، أصابعه خفّت من شدّتها فهربت منه .انقلب إعجابها به إلى كره واحتقار بعد ذلك. اختارت نُوري الطيب الهادئ. وافقها شقيقها أُثمان ولم يحاول إجبارها على هَمَرين, بل كان سعيداً باختيارها, رغم أنه تزوج من شقيقة هَمَرين في الموسم السابق.
يتبع

حجاج حسن أدول 01-12-2006 12:24 PM

تابع حكاية هَمَرين
 
رفض نَبْرة له، أسرع بدفعه إلى منحنَى الشر .أحس بأن الجميع تخلوا عنه حتى أبويه اللذين يلومانه ليل نهار .وفي ليلة زفافها على نُوري سافر هو إلى الجنوب .زمن وعاد يحمل كتباً مربوطة في رزمة كبيرة. عاد فوجد العمدة الكبير وقد أرهقته الشيخوخة.ثم مات المولود الثالث لنَبْرة فكان شؤمه سريعاً. رفضت نَبْرة قول زوجها إن موت ابنهما الأخير من تأثير سحر غريمه الحاقد هَمَرين. وإلا يكون مرض زوجة أخيها أُثمان وهي أخت هَمَرين بسبب هَمَرين أيضاً! وهَمَرين لا يكره أخته. إلا أن نُوري أكّد ..
-لكنها تكرهه، أخته الوحيدة تكرهه كرهاً شديداً وقبل وفاتها السريعة، صبّت على رأسه لعنات أبدية. علمت أن شر أخيها سوف يؤثر على مستقبل ابنها الذي تحمله في بطنها وكان على وشك النزول.
ماتت شقيقة هَمَرين تاركة وليدها .ولحالة الحزن على الأم, لم يطلق اسم على المولود اليتيم. وهم يشيعونها ثار أُثمان على حضور هَمَرين جنازتها. تشجع العمدة مؤيداً أُثمان. ثم الخفراء وشيخ الخفر المعجب بطوله الفارع وبوسامته التي يظنها في نفسه, خاصة بشاربه المدهون وبزيه وببندقيته .تحمس شيخ الخفر ولوّح ببندقيته تجاه هَمَرين حتى خاف البعض أن يطلق عليه الرصاص فعلاً, فالكل يعلم بما يحمله شيخ الخفر من ضغينة ضد الساحر.
بزغ وأفل هلالان على سماء القرية، وقبل أن يستوى الثالث بدراً منيراً، هجر أُثمان كُورنة القرية تاركاً الوليد أمانة عند نُوري العمدة ونَبْرة متخطياً أحقية هَمَرين في أخذ ابن شقيقته. نُوري يواصل الإلحاح على أُثمان أن يبقى، سار معه حتى المرسى. وقبل أن يصعد أُثمان على ظهر المركب الذي سيقله جنوباً، ألح على نُوري حتى أقسم له نُوري بأنه سيربي ابنه اليتيم وكأنه ابن له ولنَبْرة .
رفض العمدة الجديد نُوري أن يسمح لهَمَرين برؤية الطفل. أطلقوا على الطفل اسم سلاطين. فتلقفته خالته نَبْرَة مضطرة أن ترضعه من صدرها، رغم خشيتها أن تنجب بعد ذلك فتاة, فتصير أختاً بالرضاع لسلاطين ولا يستطيعان الزواج بعد أن يشبّا.
ولم يمض موسم حتى حَبَلت بمن قُدّر له أن يعيش، ابنها سِسِّي. وقبل ولادة سِسِّي، نُوري يتلهف على ابن .تألم من ثكله لابنه السابق .تعود ناس القرية على موت الأطفال بالسخونة والإسهال وموت الأمهات أثناء الوضع بحمي النفاس .لكن نُوري لا يتقبل نجاة زوجته نَبْرَة من عدّة ولادات. يريد نَبْرَة ويريد ابناً .وكان صعباً عليه أن يتقبل تربية ابن أُثمان الذي أنجبه من أخت هَمَرين. لكن كيف يرفض طلب أُثمان صديق عمره وشقيق زوجته؟! أدخل الرضيع بيته وهو راضِ ظاهرياً رافضاً من أعماقه .يسائل نفسه دائماً ..
-لم مات ابني وعاش هذا اليتيم الذي لا يهتم به أبوه؟
لم يكد أُثمان كُورنة يترك ابنه الوليد ويرحل جنوباً، حتى رحل بعده هَمَرين جنوباً. تيقن هَمَرين انه لن ينال العمودية .الكل يكرهه ولم يتغلغل الخوف فيهم بما يكفي .والأقلية التي تريده أهون وأتفه من أن تسانده .غاب ثلاثة مواسم وعاد في هيئة بعيدة عن هيئته الأصلية وهيئة رجال النوب, ملبسه عباءات فاقعة الألوان .شعره ضفائر مدهونة بالدهن الثقيل مثل النساء المتعاجبات بأنفسهن. عيناه أشد وأقسى قسوة. الكراهية تشع منه حتى وهو يتفوه بليّن الكلام! عاد وقد توغل في علمه أعمق وأغور. عاد وشره أنكى وناره أحمى
يتبع

حجاج حسن أدول 01-12-2006 12:25 PM

تابع حكاية هَمَرين
 
هَمَرين ومن حجرته داخل دار أبيه الواسعة باع روحه للشيطان مقابل حصوله على المكانة التي يبغيها .بدأ يسيطر على مقادير بعض ضعاف الإرادة .زمن مرور هلال واحد وازداد سطوة .غرز الرهبة في قلوب الكثير من الرجال والرعب في قلوب النساء، بالسحر الأسود فرق بين المرء وزوجه. يربط العريس في ليلة عرسه ولا يفكه إلا إذا دفع له أولاً خضوعه ثم القطعة الفضية. تيقن ناس القرية أنه بذرة فساد. لكن ..من الذي يجرؤ على التقدم ومحاربة هَمَرين! خاصة أن أحد أبناء عمومته كان أكثر المتحمسين له، يسانده نظير مكاسب يتلقاها, سطوة أتته بالتبعية ففرح بها وتعشّم في خيرات تصُبّ عليه. ابن العم لم يكن يحب هَمَرين، ولم يكن هَمَرين يحبه، لكن المصالح تجمعهما. وكان هَمَرين أملاً للكثيرين من عائلته، أن ينتزع لها العموديّة ويضعها في أسرتهم ..الهَمَراب!
ومن يبدأ بمحاربة هَمَرين؟ هَمَرين الذي زرع فيهم الخوف ببعض الغرائب وتحريك الجماد .وهم ناس لا يفهمون في السحر جيداً ولا يستخدمونه إلا في بعض التفاهات .ذابت شجاعتهم. نُوري خائف. أبوه العمدة الذي دهمه المرض وصار ممدداً لا حول له ولا قوة، يشجعه على محاربة هَمَرين وطرده من القرية. نُوري يقوم بمسئوليات العمدة حقيقة لملازمة أبيه فراش الموت, لكنه خائف. خوفه الأساسي على رضيعه سِسِّي، وحيده .يخشى أن يفعل هَمَرين فيه شيئاً .فكيف ينسى أن حضور هَمَرين السابق مات فيه وليده الأخير؟ يحرض بعض الناس بالثورة على الساحر, ويتحجج بأن خفراءه الثلاثة كل خائف على نفسه وعائلته. لذا فهو لا يملك قوة رسمية لمجابهة الساحر الشرير، فماذا يفعل؟ خاصة بعدما سرت الإشاعات أكثر وأكثر عن الزوجة الثانية الشابة لشيخ الخفر المتباهي, الذي يلعن هَمَرين ويحرّض العمدة والناس على محاربته .
هَمَرين والداه تركا له الدار كلها وبقيا في بيت قريب لهما .ثم ماتا حسرة قبل مرور فيضان واحد وهما متبرآن منه، داعين عليه بالخسران حيث أتى. رفضا حججه بأنه يريد الخير لهما وأنه سوف ينعمهما بالمال والخير .لم يبق له إلا ابن عمه التابع له والمالك للبندقية المتهالكة، وعدد من ابناء العمومة, فقد اضطر بعضهم للتقرب منه بالتهديد والوعيد وبإغراء الهدايا والحماية، وأعدّهم ليساعدوه يوماً في انتزاع العمودية بعد أن يموت العمدة الكبير والد نُوري غريمه وخاطف حبيبته نَبْرة. أما ابناء عمومته الذين قاوموا ضغطه،فقد اضطرهم للحياد فلا يكونوا عليه .
العمدة الكبير عافيته المتبقية هي مجرد القدرة على التنفس الضعيف وتقليب عينيه فيمن يتحلقون حوله، وابتسامة يأس واستكانة لقَدَر الله .والقرية التي تسكنها قبيلة تستجمع نفسها لتودع زمناً لزمن آخر وعمدة آخر. والعائلة متفرعة ولنُوري الشاب منافسون يأملون أن ينالوا شرف العمودية بدلاً منه .مر على الثبات والانتظار وقت .ومات العمدة الكبير واجتمع ناس القرية في الساحة الكبرى في نجع أورِّك .وكان للشيخ صَلاتو موقف قوي سانده فيه أغلب أفراد القبيلة، وأيده فيه تأييداً خفيفاً مُهدي الأصفر وتابعه المجبّراتي زاعق الصوت كثير الضوضاء يونس .فنال نُوري العمودية وأخفق من نافسه.أما هَمَرين فلم يكن اسمه مطروحاً أبداً رغم جبروته وسحره. حتى من أراد هَمَرين لم يجرؤ على نطق اسمه. الرفض كاسح للساحر الشرّير وإن كان رفضاً سلبياً، فلم يتصدى له علناً سوى المجبّراتي.. يونس. المجبّراتي كان صوته الجهوري يغطي على كل أصوات القرية .غمز ولمز في هَمَرين وقد أخذه التهوّر وحب إرضاء العمدة الجديد وكبار القرية.
تواجد هَمَرين في هذه الليلة .لكنه كان مثل شاة لا تملك من أمرها شيئاً إلا ثغاءً ضاع وسط الجموع. باء بالفشل وعاد إلى بيته بالحسرة المضاعفة .لم يَلُم ذكاءه الذي خانه. لم يضع الفشل على نفسه المتعجّلة التي لم توازن الأمور جيداً .ولم يلُم عقله الذي منعه من عمل سحري يُخَرِب عليهم اجتماعهم، فأمله فيهم وفي تأييدهم له كان موجوداً، بل صبّ نيرانه الغاضبة على القرية، على صَلاتو وعلى نُوري العمدة وعلى المجبّراتي وغيرهم .وتوعد الكل وقال لأتباعه بعد أن لعنهم ونعتهم بالجبن..
-لينتظروا قليلاً، سوف أتحكم في قواي أكثر وأكثر، وأتعمق في كتبي أكثر وأكثر .ثم أعود إليهم .
يتبع


الساعة الآن 05:14 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
تنبيـه هـام : جميع الآراء والتعليقات المطروحة بأسماء حقيقية أو مستعارة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع